إحياء علوم الدين - الغزالي، أبو حامد - الصفحة ١٠١ - القسم الثالث أن يكون السفر للهرب من سبب مشوش للدين
عن غير اللّه،فإن لم يتم فراغه فبقدر فراغه يتصور أن يشتغل بالدين،و لا يتصور فراغ القلب في الدنيا عن مهمات الدنيا و الحاجات الضرورية،و لكن يتصور تخفيفها و تثقيلها و قد نجا المخفون،و هلك المثقلون، و الحمد للّٰه الذي لم يعلق النجاة بالفراغ المطلق عن جميع الأوزار و الأعباء،بل قبل المخف بفضله،و شمله بسعة رحمته،و المخف هو الذي ليست الدنيا أكبر همه، و ذلك لا يتيسر في الوطن،لمن اتسع جاهه،و كثرت علائقه،فلا يتم مقصوده إلا بالغربة،و الخمول،و قطع العلائق التي لا بد عنها،حتى يروض نفسه مدة مديدة،ثم ربما يمده اللّه بمعونته،فينعم عليه بما يقوى به يقينه،و يطمئن به قلبه،فيستوي عنده الحضر و السفر،و يتقارب عنده وجود الأسباب و العلائق و عدمها،فلا يصده شيء منها عما هو بصدده من ذكر اللّه. و ذلك مما يعز وجوده جدا،بل الغالب على القلوب الضعف،و القصور عن الاتساع للخلق و الخالق،و إنما يسعد بهذه القوة الأنبياء و الأولياء و الوصول إليها بالكسب شديد،و إن كان للاجتهاد و الكسب فيها مدخل أيضا،و مثال تفاوت القوة الباطنة فيه كتفاوت القوة الظاهرة في الأعضاء،فرب رجل قوي ذي مرة سوى شديد الأعصاب،محكم البنية،يستقل بحمل ما وزنه ألف رطل مثلا، فلو أراد الضعيف المريض أن ينال رتبته بممارسة الحمل،و التدريج فيه،قليلا قليلا،لم يقدر عليه،و لكن الممارسة و الجهد يزيد في قوته زيادة ما،و إن كان ذلك لا يبلغه درجته،فلا ينبغي أن يترك الجهد عند اليأس عن الرتبة العليا،فإن ذلك غاية الجهل،و نهاية الضلال و قد كان من عادة السلف رضي اللّه عنهم مفارقة الوطن خيفة من الفتن و قال سفيان الثوري:هذا زمان سوء لا يؤمن فيه على الخامل،فكيف على المشتهرين،هذا زمان رجل ينتقل من بلد إلى بلد،كلما عرف في موضع تحول إلى غيره،و قال أبو نعيم:رأيت سفيان الثوري و قد علق قلته بيده، و وضع جرابه على ظهره،فقلت إلى أين يا أبا عبد اللّه قال بلغني عن قرية فيها رخص أريد أن أقيم بها،فقلت له و تفعل هذا؟قال:نعم.إذا بلغك أن قرية فيها رخص فأقم بها فإنه أسلم لدينك،و أقل لهمك،و هذا هرب من غلاء السعر،و كان سرى السقطي يقول للصوفية إذا خرج الشتاء فقد خرج آذار،و أورقت الأشجار،و طاب