مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين(ع) - حافظ رجب البرسي - الصفحة ٧ - ترجمة المصنف
باعا، و بطبع الحال أنّ الفئة الأولى لا يسعها الرضوخ لما لا يعلمون، كما أنّ الآخرين لا تبيح لهم المعرفة أن يذروا ما حقّقوه في مدحرة البطلان، فهنالك تثور المنافرة، و تحتدم الضغائن، و نحن نقدّر للفريقين مسعاهم لما نعلم من نواياهم الحسنة و سلوكهم جدد السبيل في طلب الحقّ و نقول:
على المرء أن يسعىبمقدار جهده * * * و ليس عليه أن يكون موفّقا
ألا إنّ الناس لمعادن كمعادن الذهب و الفضة [١] و قد تواتر عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام): أنّ أمرنا- أو حديثنا- صعب مستصعب لا يتحمّله إلّا نبيّ مرسل أو ملك مقرّب، أو مؤمن امتحن اللّه قلبه للإيمان [٢].
إذن فلا نتحرّى وقيعة في علماء الدين و لا نمسّ كرامة العارفين، و لا ننقم من أحد عدم بلوغه إلى مرتبة من هو أرقى منه، إذ لا يكلّف اللّه نفسا إلّا وسعها. و قال مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام): لو جلست أحدّثكم ما سمعت من فم أبي القاسم (صلّى اللّه عليه و آله) لخرجتم من عندي و أنتم تقولون: إنّ عليا من أكذب الكاذبين [٣].
و قال إمامنا السيّد السجّاد (عليه السلام): لو علم أبو ذر ما في قلب سلمان لقتله، و لقد آخى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بينهما فما ظنّكم بسائر الخلق [٤] وَ كُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى، وَ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجاهِدِينَ عَلَى الْقاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً.
و إلى هذا يشير سيّدنا الإمام السجّاد زين العابدين (عليه السلام) بقوله:
إنّي لأكتم من علمي جواهره * * * كيلا يرى الحقّ ذو جهل فيفتتنا
و قد تقدّم في هذا أبو حسن * * * إلى الحسين و أوصى قبله الحسنا
فربّ جوهر علم لو أبوح به * * * لقيل لي: أنت ممّن بعبد الوثنا
[١] حديث ثابت عند الفريقين (هامش الغدير).
[٢] بصائر الدرجات للصفار: ٦، أصول الكافي: ١/ ٢١٦.
[٣] منح المنّة للشعراني: ١٤.
[٤] بصائر الدرجات للصفّار: ٧ آخر الباب الحادي عشر من الجزء الأوّل و أصول الكافي لثقة الإسلام الكليني: ١/ ٢١٦.