مشارق أنوار اليقين في أسرار أمير المؤمنين(ع) - حافظ رجب البرسي - الصفحة ٢٠٨ - فصل معنى الإمامة و جنسها
بقوله: هذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكُمْ بِالْحَقِ [١]، و الكتاب علي، و منه قوله: وَ لَدَيْنا كِتابٌ يَنْطِقُ بِالْحَقِ [٢]، و الكتاب الناطق هو الولي، و إليه الإشارة بقوله: وَ لا تَعْمَلُونَ مِنْ عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُوداً [٣]، و ذلك لأنه ليس بين اللّه و بين رسوله سرّ، و كيف و هو بالمقام الأعلى و المكان الأدنى؟ و ليس بينه و بين رسول اللّه و وليّه سرّ، و هذا رمز، و حلّه أن ليس بينهم و بين اللّه واسطة من الخلق، و لا أول في السبق، و لا أقرب إلى حضرة الحق، لأنّهم الخلق الأوّل و العالم الأعلى، و الكل تحت رفعتهم، لأن الأعلى محيط بالأدنى ضرورة، و الولي يعلمه، فكل ما أبرزه اللّه من الغيب و بسطه قلمه في اللوح المحفوظ فإنّ النبي و الولي يعلمه، و إليه الإشارة بقوله (صلّى اللّه عليه و آله): «إن اللّه أطلعني على ما شاء من غيبه وحيا و تنزيلا و أطلعك عليه إلهاما، و إن اللّه خلق من نور قلبك ملكا فوكله باللوح المحفوظ، فلا يخط هناك غيب إلّا و أنت تشهده [٤].
فالنبي و الولي مطّلعان على علم الغيب، لكن النبي لا ينطق به إلّا مع الأمر لأنه الرسول [٥]، و إليه الإشارة بقوله: وَ لا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يُقْضى إِلَيْكَ وَحْيُهُ [٦]، و أما
[١] الجاثية: ٢٩.
[٢] المؤمنون: ٦٣.
[٣] يونس: ٦١.
[٤] في البحار: ٢٦/ ٤ ح ١: «أنا صاحب اللوح المحفوظ ألهمني اللّه علم ما فيه».
[٥] و ذلك لقرب الناس في زمن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) إلى الجاهلية و لسعيه إلى تثبيت الإسلام و قواعده.
[٦] ظاهر الآية نسبة العجلة إلى النبي و هو ينافي عظمته (صلّى اللّه عليه و آله) و توضيح ذلك:
أن الناس في الجاهلية الجهلاء، و لن تتحمّل نسبة العلم إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله) بلا توسط الوحي بينه و بين اللّه، إمّا لأنّ الأنبياء يوحى إليهم عادة.
و إمّا لقرب عهدهم بالجاهلية و عدم معرفتهم المعرفة الحقيقة للنبي الأعظم، حتى إنّهم كانوا ينادونه من وراء الحجرات باسمه.
و هم، مع أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) أبرز لهم مسألة الوحي، كذّبوه و قالوا: هذا من عنده، أو من عند سلمان الفارسي.
فكيف لو لم يبرز لهم الوحي و جبرائيل (عليه السلام)!؟.
و ما يشير إلى ذلك أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عند ما كان يأتيه الوحي، كان يقول جاء جبرائيل، و ذهب جبرائيل، و أخبرني جبرائيل عن اللّه تعالى، و ما شابه ذلك، و ما ذاك إلّا للتأكيد أنّ هناك إلها و دينا و إسلاما و رسالة من السماء.
و من هنا نفهم الآيات و الروايات التي تحدّثنا أن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن يعطي الجواب حتى ينزل الوحي،