كتاب المراتب في فضائل أمير المؤمنين و سيد الوصيين(ع) - البستي، أبو القاسم - الصفحة ١٥٤ - الفصل الثالث و العشرون «أن يصير قوله في الدّين حجّة، و يصير للشّريعة قبلة»
و ربّما يقال: إذا قطع على الشّيء أنّه من الدّين، فقوله حجّة، و إذا قال من طريق الأجتهاد، فإنّه يجوز مخالفته، و لهذا قال له عبيدة في بيع امّهات الأولاد حين قال:
«رأيي و رأي عمر أن لا يبعن»، «رأيك مع الجماعة أحبّ إلينا من رأيك وحدك».
و لن ينكر عليه، و لو كان اجتهاده حجّة قاطعة كان ينكر عليه.
و ليس الأمر كذلك، فإنّ الرّسول فيما يحكم به من طريق الاجتهاد- لا في الدين- فإنّه يجوز خلافه، و لهذا لمّا أراد النزول يوم بدر دون الماء، في بطن الوادي، قال له أصحابه، إن كان نزولك هذا عن وحي نزل، فالسّمع و الطّاعة، و إن كان هذا رأيا رأيته، فليس هذا منزل مكيدة، فقام و ارتحل و ترك اجتهاد نفسه.
و قال أصحابنا [١]: إن اجتهد في الدّين، لم تسع مخالفته، كذلك إذا اجتهد أمير المؤمنين (عليه السلام) في الدين، لم يسوغ خلافه، [و] كان ذلك حجّة، و إذا لم نقطع بأنّه دين اللّه، و سوّغ الخلاف لمن خالفه، فإنّما يسمع خلافه لأنّه سوّغه، و هو حجّة.
فتحريم المخالفة و تحليلها، فيما يفتي في الدّين، موقوف عليه.
و من عجيب أمره في هذا الباب، أن لا شيء في علوم الدين إلّا و أهله يجعلونه قدوة و قبلة:
فإنّ أهل النحو يرجعون إلى ذلك من هدايته، و ذلك أنّ أبا الأسود الدؤليّ [٢] كان له صبي يقوده، و كان يمشي في الرّمل الحامي، فتحرق رجله.
فقال: ما أشدّ الحرّ.
فقال أبو الأسود الدؤلي: حرّ تهامة.
و الصّبي أراد ما أشدّ الحرّ الذي يحرق رجلي، فلمّا كرّر الصّبي و كرّر عليه، بكى
[١]- يقصد بهم أصحابه في الأصول و هم المعتزلة البغداديون.
[٢]- من أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) و إليه يعود الفضل في صنعة النحو حيث تعلّم أصولها من عليّ بن أبي طالب- كما في الخبر- و علّمها الناس.