رسالة في تحريم الغناء - الكاشاني، الشيخ محمد رسول - الصفحة ٢٩ - أدلّة حرمة استماع الغناء
و أمّا الإشكال بمعارضة المستفيضة برواية أبي بصير فالخطب فيه سهل؛ نظراً إلى ضعفها سنداً بعلي بن أبي حمزة الظّاهر هنا في ابن البطائني لوجود الواسطة بينه و بين أبي جعفر (عليه السلام)، بل و دلالةً من جهة أنّ التّناسب المعنوي و إن اقتضى عود البارز المرفوع إلى تحريم كسب المغنّيات اللّاتي يدخل عليهنّ الرّجال لكن القرب اللفظي يقتضي العود إلى نفي البأس عن كسب التي تُدعى إلى الأعراس. نعم لمّا كان العود إليه غير مستقيمة من جهة المعنى لم يكن بدٌّ من رجوعه إلى الأوّل و إن لم يخلُ عن شيءٍ، مضافاً إلى انتفاء التكافؤ و إن كانت في أعلى درجات الصحّة و قوّة الدّلالة.
و بما ذكرنا ينقدح اندفاع الاعتراض بمعارضته مرسلة أبي الجارود [١] و قول
[١] و تفصيل الكلام فيها أنّ هذه المرسلة مروية في تفسير علي بن إبراهيم و يظهر من كلام المحقق الأردبيلي أعلى الله مقامه أنّ له تأملًا في كونه مؤلفه حيث يعبّر عنه بالتفسير المنسوب إليه و إن كان الظاهر جداً بل المسلم عند الجل أنّه منه (رحمه الله) و ربّما يستنبط منه أنّ اعتماده على أنّ المراد من لهو الحديث الغناء و شرب الخمر و جميع الملاهي لا ما رواه أبو الجارود و ذلك يوجب وهناً في الرواية. مضافاً إلى الارسال و فساد مذهب أبي الجارود و هو زياد بن منذر الهمداني الخارقي أو الخُرقي الكوفي الأعمى الزيدي كان من أصحاب أبي جعفر (عليه السلام) و روى عن الصادق (عليه السلام) فلما خرج زيد رضي الله عنه صار زيدياً و روى عن زيدٍ، و إليه تنسب الجاروديّة من الزيديّة و سمّاه أبو جعفر (عليه السلام) سُرْحُوباً و هو اسم شيطانٍ أعمى يسكن البحر فلذا يسمى الزيدية المنسوبة إليه بالسرحوبية. قال الكشي (رحمه الله): «كان أبو الجارود مكفوفاً أعمى أعمى القلب» ثمّ روى في ذمه روايات يتضمّن بعضها اللعن عليه و الحكم بكون كذّاباً مكذِّباً كافراً. و قال العلامة (رحمه الله): «مذموم لا شبهة في ذمه» على أنّ التعارض بينها و بين المستفيضة غير ظاهر لجواز أن يكون الوعيد من جهة تغني النضر بأشعار الناس لا مجرّد كونه راوية لأحاديث الناس و أشعارهم مع أنّ عدم مقاومتها، و إن سلمت عن جميع ما ذكرنا للمستفيضة، واضح جدّاً و المحكي في الكشاف و الجوامع عن مجهول أنّها نزلت في النضر و كان يشتري كتب الأعاجم و يحدث بها قريشاً ليشتغلوا بها عن استماع القرآن، لا ينافي أيضاً كون الوعيد فيها على التغنّي لجواز كون تحديث النضر بها على وجه التغني و كذا المحكي في الكشاف عن مجهول آخر بل عدم تنافيه أظهر و كون محلّ نزول الآية مشتملًا على خصوصيات لا تقيد إطلاقها بها أو لا تخصّص عمومها بها و مع تسليم التنافي فلا حجة فيها و مع الحجّية فلا يُقاومان المستفيضة. (منه (رحمه الله)).