الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٧١ - النظرية الرابعة القرن الأكيد
الإنسان يده على جسمٍ حارّ فإنّه يحسّ بحرارته، وهذا الإحساس ينتقل إلى ذهنه ويتحوّل إلى صورة ذهنية، وهذا هو «المعنى» الذي نتحدّث عنه، واللفظ ولنفترضه لفظ «الحار» أو «الحرارة» إنّما وضع لهذا المعنى الذي جاء من الإحساس بالخارج.
كما زوّد الله سبحانه وتعالى الإنسان بقانون تكوينيّ آخر، وهو أنّ الإنسان قد لا يحسّ بالشيء بوجوده الخارجي، وإنّما من خلال صورته، كأن يرى النار مرسومة على ورقة مثلًا وفي هذه الحالة لن يحسّ بها ولا بحرارتها، ومع ذلك ينتقل ذهنه إلى «المعنى» الذي عنده عن النار، وهذا ما نعبّر عنه بقدرة الانتقال من «المشابه إلى المشابه» كأن ينتقل من الوجود الكتبي «الصورة» إلى الوجود الخارجي.
وهناك قانون تكوينيّ ثالث وهو مورد النظر في هذا البحث زوّد به
الذهن البشري ملخّصه: أنّ الشيء إذا اقترن أو ارتبط بشيء آخر ارتباطاً خاصّاً ثمّ انتقل هذا الارتباط إلى الذهن البشري، فإنّ الإنسان وبمجرّد أن يتصوّر أحد هذين الشيئين ينتقل ذهنه إلى الشيء الآخر، فلو ذهب مثلًا إلى بلد معيّن وأصيب هناك بحمى شديدة جدّاً، فإنّه يبقى دائماً حينما يتذكّر ذلك البلد يتذكّر الحمى التي أصابته فيه مع أنّ «الحمى» أجنبية عن «البلد»، ولكن حيث اقترن أحد هذين الشيئين (البلد) اقتراناً خاصّاً وأكيداً بالشيء الآخر (الحمى) فإنّ ذهن الإنسان ينتقل بمجرّد تذكّر أحدهما إلى الآخر.
ما ينبغي التنبيه عليه هنا، هو أنّه لابدّ من وجود ربط خاصّ وقرن أكيد بين الشيئين لا كلّ ربط، فقد يمرّ الإنسان أثناء سفره بالعديد من المناطق، ولكنّه لا يتذكّر بعد ذلك من هذه المناطق إلّا المنطقة التي أصابته فيها الحمّى الشديدة والتي حصل فيها ربط خاصّ وأكيد بينها وبين مرضه ذاك.