الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٩٣ - أقسام الحكم الظاهريّ
ولا شكّ في أنّ الأمر الثاني هو المتعيّن عقلائياً، ومن هنا تمّ اختياره
باعتباره طريقاً جيّداً للإيصال إلى أغلب الأحكام الواقعية وللكشف عنها، وأمّا الموارد التي يخطئ فيها وما شابه، فهي معفوّ عنها، والمكّلف معذور.
من هنا أطلق اسم «الأمارة» على هذا الدليل والطريق والمرشد باعتباره علامة تشير إلى الأحكام الواقعية التي شكّ المكلّف بها ولم يستطع الوصول إليها وإن لم توصله إليها في بعض الأحيان، وقد جعل الشارع الحجّية للأمارة.
وهذا معناه أنّ مؤدّى الأمارة لم يكن له مدخلية في جعل الحكم الظاهريّ، فسواء كان وجوباً أو حرمة أو استحباباً أو كراهة أو إباحة، فإنّ الشارع لم ينظر إلى ذلك في مقام جعل الحجّية للأمارة وإنّما نظر فقط إلى كاشفيتها عن الواقع [١] وإن كانت كاشفية ناقصة غير تامّة، كما قلنا سابقاً.
من أمثلة هذا الطريق والدليل خبر الثقة، فإنّ الثقة وإن احتمل في خبره الخطأ والنسيان وما شابه ذلك، إلّا أنّ خبره في الأعمّ الأغلب صادق ويوصل إلى الأحكام الواقعية ويكشف عنها. فخبر الثقة أمارة جعله الشارع حجة، وتمام الملاك في جعل الحجّية له هو كاشفيته عن الحكم الواقعيّ، وتلك الحجية المجعولة من قبل الشارع لخبر الثقة تسّمى الحكم الظاهريّ [٢].
الثاني: الأصل العملي: وهو الحكم الظاهريّ الذي أخذ فيه بعين الاعتبار غالباً نوع الحكم المشكوك [٣] فقط، لا أنّه طريق
وكاشف
[١] وقد عبّر السيّد الشهيد (قدس سره) عن الكشف عن الواقع ب «الاحتمال». للاطّلاع انظر دروس في علم الأصول، الحلقة الثالثة، القسم الأوّل: ص ٣٢.
[٢] فالأمارة بنفسها ليست حكماً ظاهريّاً وإنّما هي مورد لجعل الحكم الظاهريّ، فهي مجرّد كاشف لا غير، ولأجل هذه الكاشفية التي تُصيب الواقع غالباً جُعلت الحجّية لها، وهذه الحجّية هي الحكم الظاهريّ لا نفس الأمارة كخبر زرارة مثلًا.
[٣] وقد عبّر السيّد الشهيد عن نوع الحكم المشكوك بالمحتمل، انظر المصدر المتقدّم.