الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ٢٦٢ - الوضع وعلاقته بالدلالات المتقدّمة
لشيءٍ أو اعتبارِ ما يقارنُ هذا المعنى لا يحقّقُ السببيةَ واقعاً، فلابدّ لأصحابِ مسلكِ الاعتبارِ في الوضعِ أن يُفسّروا كيفيةَ نشوءِ السببيةِ الواقعيةِ مِن الاعتبارِ المذكور، وقد يكونُ عجزُ هذا المسلكِ عن تفسيرِ ذلك أدّى بآخرين إلى اختيارِ الاحتمالِ الثالثِ الآتي:
الثالثُ: أنّ دلالةَ اللفظِ تنشأُ من الوضعِ، والوضعُ ليس اعتباراً، بل هو تعهّدٌ مِن الواضعِ بأن لا يأتيَ باللفظِ إلّا عندَ قصدِ تفهيمِ المعنى، وبذلك تنشأُ ملازمةٌ بين الإتيانِ باللفظِ وقصدِ تفهيمِ المعنى، ولازمُ ذلك أن يكونَ الوضعُ هو السببَ في الدلالةِ التصديقيةِ المستبطنةِ ضمناً للدلالةِ التصوّريةِ، بينما على مسلكِ الاعتبارِ لا يكونُ الوضعُ سبباً إلّا للدلالةِ التصوّرية. وهذا فرقٌ مهمٌّ بين المسلكينِ.
وهنا فرقٌ آخرُ وهو أنّه بناءً على التعهّدِ يجبُ افتراضُ كلِّ متكلّمٍ متعهّداً وواضعاً لكي تتمَّ الملازمةُ في كلامِه. وأمّا بناءً على مسلكِ الاعتبارِ فيفترضُ أنّ الوضعَ إذا صدرَ في البدايةِ مِن المؤسِّسِ أوجبَ دلالةً تصوّريةً عامّةً لكلِّ مَن علِمَ به بدونِ حاجةٍ إلى تكرارِ
عمليةِ الوضعِ مِن الجميع.
ويردُ على مسلكِ التعهّد:
أوّلًا: أنّ المتكلّمَ لا يتعهّدُ عادةً بأن لا يأتيَ باللفظِ إلّا إذا قصدَ تفهيمَ المعنى الذي يريدُ وضعَ اللفظِ له؛ لأنّ هذا يعني التزامَه