الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٤٥ - العقل و إدانة المتجرّي
يشرب الخمر و لم يرتكب ما نُهي عنه واقعاً، فهو ليس مداناً و لا يستحقّ العقاب.
و من الواضح أنّ هذا الرأي ينطلق من كون الأحكام الشرعية تابعة لملاكاتها أي: للمصالح و المفاسد الواقعية و أنّ الاعتقاد وحده لا تصدر عنه مصلحة أو مفسدة واقعية، فالثوب مثلًا لا يحترق إلّا إذا مسّته نار حقيقية لا ما نعتقد بأنّها نار، و هكذا في فعل المتجرّي في مثالنا فإنّ الأثر و المفسدة الواقعية إنّما تترتّب على الخمر الواقعيّ لا ما يعتقده المتجرّي خمراً، فمن شرب ماءً بعنوان أنّه خمر فليس في شرب الماء مفسدة واقعية لكي يحكم العقل بقبح الشرب و باستحقاق العقوبة بالتبع.
بعبارة أخرى: إنّ المدار في هذا الجواب هو حسن و قبح الفعل ذاته و هذا ما يُطلق عليه ب «الحسن و القبح الفعلي». فمتى ما كان الفعل حسناً استحقّ فاعله الثواب، و متى ما كان الفعل قبيحاً استحقّ فاعله العقاب،
و لهذا افترق العاصي عن المتجرّي؛ لأنّ في فعل العاصي مفسدة واقعية استحقّ العقاب عليها، و أمّا في فعل المتجرّي فلا وجود لتلك المفسدة لكي يستحقّ العقاب عليها.
الجواب الثاني: و يتبنّى أصحابه استحقاق المتجرّي للعقاب كالعاصي لأنّه إنّما فعل فعلته تلك لسوء نيّته و خبث سريرته فاستحقّ العقاب على هذا، فالمدار في حكم العقل في الحسن و القبح و بالتالي في استحقاق الثواب و العقاب هو شخص الفاعل ذاته لا الفعل، و هذا ما يطلق عليه ب «الحسن و القبح الفاعلي». فمتى ما انطلق الفاعل في فعله من نيّة حسنة و سريرة صالحة استحقّ الثواب و إلّا استحقّ العقاب، و لذلك لم يفترق المتجرّي عن العاصي في استحقاق العقاب لسوء نيّتهما و خبث سريرتهما معاً.