الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٤٦ - العقل و إدانة المتجرّي
الجواب المختار: و التحقيق في هذين الجوابين من أجل الوصول إلى الجواب المختار يستدعي الرجوع مرّة أخرى إلى حدود مولوية المولى تبارك و تعالى، فبعد أن تبيّن لنا هناك أنّ حدود المولوية و دائرة حقّ الطاعة تشتمل على التكاليف المنكشفة بأيّ درجة من درجات الانكشاف، نتساءل هنا: هل تتضمّن هذه الدائرة التكاليف بشرط إصابتها للواقع، أم أنّها تشمل التكاليف المنكشفة للمكلّف مطلقاً أصابت الواقع أو لم تصبه؟
فلو قلنا بأنّ دائرة حقّ الطاعة تقف عند حدود التكاليف المصيبة و الثابتة في الواقع فإنّ المكلّف المتجرّي لم يُخلّ بحقّ الطاعة؛ لأنّ موضوع هذا الحقّ مؤلّف من أمرين:
الأوّل: وجود التكليف.
الثاني: ثبوته في الواقع.
و التكليف و إن كان موجوداً حسب اعتقاد المكلّف و لكنّه ليس ثابتاً في
الواقع، و إذا ثبت أنّ المتجرّي لم يخلّ بحقّ الطاعة فلا يكون مستحقّاً للعقاب عقلًا أيضاً.
و أمّا لو قلنا بأنّ دائرة حقّ الطاعة تشمل كلّ التكاليف المنكشفة سواء كانت ثابتة في الواقع أم لا، فإنّ المكلّف المتجرّي يكون قد أخلّ بحقّ الطاعة فيستحقّ العقاب عقلًا.
و الصحيح هو القول الثاني؛ لأنّ العقل يحكم أوّلًا بلزوم احترام المولى، و من ثمّ يجعل له حقّاً في أن يطاع فيما يأمر به من التكاليف، فحقّ الطاعة مترتّب على لزوم احترام المولى، و لا شكّ أن من يتحدّى المولى بأيّ نوع من أنواع التحدّي عاصياً كان أو متجرّياً لا يعدّ مراعياً لحرمته و لا منصاعاً لحقّ طاعته، فيحكم العقل بقبح فعله الصادر منه على نحو التحدّي و عدم الاحترام، فيكون مستحقّاً للعقاب.