الدروس شرح الحلقة الثانية - الحيدري، السيد كمال - الصفحة ١٣٣ - الفرق بين حجّية القطع و الظنّ و الاحتمال
فالتفكيك بين القطع و حجّيته و منجّزيته أمر مستحيل، و لا يمكن ورود الترخيص في مخالفة القطع و سلب المنجّزية عنه. فلو قطع المكلّف مثلًا بوجوب صلاة الجمعة في ظهر يوم الجمعة، فهذا الحكم حكم واقعيّ لم يؤخذ في موضوعه الشكّ، و لو أراد الشارع أن يفكّك بين القطع بهذا الحكم و بين حجّيته بأن يجعل ترخيصاً في ترك صلاة الجمعة فإنّ هذا الترخيص لا يعدو أن يكون إمّا حكماً واقعياً، أو حكماً ظاهرياً و لا ثالث لهما.
فإن كان حكماً واقعياً لزم اجتماع الضدّين؛ لأنّ الأحكام التكليفية الواقعية متضادّة فيما بينها.
و إن كان حكماً ظاهرياً فإنّه مستحيل أيضاً، لأنّه لن يصل إلى المكلّف، إذ الحكم الظاهريّ كما تقدّم هو ما أُخذ في موضوعه الشكّ، و القاطع بصلاة الجمعة في ظهر الجمعة لا يرى نفسه شاكّاً، و من هنا سيقول: إنّ هذا الحكم لا يشملني و إنما يشمل الشاكّين بحكمهم، فلا يصل الحكم إليه أصلًا.
و أمّا بالنسبة إلى التكليف المظنون و المحتمل، فإنّ الأمر يختلف، لأنّ من يظنّ أو يحتمل وجوب صلاة الجمعة في ظهر يوم الجمعة، لديه شكّ في هذا
الوجوب، فلو جاءه ترخيص ظاهريّ من المولى على الخلاف فإنّه سيقول: إنّني ظانّ و شاكّ بوجوب هذه الصلاة، و هذا الحكم الظاهريّ الآتي إليّ يرخّصني في ترك التحفّظ تجاه ما أشكّ به من التكاليف، فهو شامل لي و أستطيع العمل به. و من هنا كان بإمكان الشارع أن يجعل بحقّ مثل هذا الشاكّ حكماً ظاهرياً على خلاف ظنّه أو احتماله، لأنّ جعل مثل هذا الحكم و وصوله إلى المكلّف لا يتطلّب أكثر من وجود الشكّ و هو موجود.