كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٦٠ - الميمر الخامس

المخصص هو الذي مثل هذا الوجود له عند المبدأ من غير توسط واسطة أصلا بوجه من الوجوه، و يكون وجوده هذا من الموجد له [١٤٤ ا] بحيث لم يتسلّط عليه قبله العدم، بل أن يكون المبدع أعطاه وجودا مطلقا وضع عدمه، ليس أن عارض عدمه بمنع بعد تمكن. و الإبداع نسبة المبدع إلى المبدع من حيث هذا الوجود. قال: ليس [١] فيضان الصور عن الأول الحقّ على سبيل ما يترتب فى الفكر و يطلب بالروية بل أبدعت الإبداع الشريف الذي ذكروا، مما يبدعها البارى بذاته لا بتوسيط شى‌ء غير ذاته، بل أبدع العقل بذاته، و لما تجلى للعقل عقله العقل و عقل ذاته و عقل منهما كل شى‌ء دفعة لا بطلب و لا فكر. فلما أبدع ذلك أبدع بعد ذلك- بعدية ذاتية لا زمانية- العالم الحسىّ و ما فيه.- ليس إبداع تلك الأشياء كان لأجل هذا العالم، فإن الأفضل لا يكون لأجل الأخس، و ليس أيضا الجود وقف هناك، و إن كان ذاك ليس لما بعده لكنه ليس فى إبداعه منع لأن يفيض الجود الإلهى إلى آخر ما يقبل منه الجود من ماهيات الأشياء المكتسبة وجودها من هناك. فلما لم يمكن أن يكون المعنى الإلهى الفائض واقفا و وراءه إمكان، و لم يمكن أن يكون فى المعقول ماهيات تنال جميع أصناف الوجود العقلى و الحسى ثم لا يأتيها الجود الإلهى، تعدّى الإيجاد تلك الأشياء التامة الكاملة التي لو كان إيجادها لحاجة من الموجد أو فاقة أو شوق إلى وجود شى‌ء أو غرض فى وجود شى‌ء لكان بها غنية. لكن ليس الإيجاد لذلك، بل لكون الجود أكمل ما يمكن و كون الماهيات المعقولة صحيحا لها أن تقبل وجودا آخر حسيا و كون ما يصح وجوده من عند الفياض بإبداعه.

فصل: أول اثنينية فى المبدع- أىّ مبدع كان هو- أن له بحسب ذاته الإمكان، و من جانب الحق الأول الوجود. و من هذين تأتلف هوية موجودة. و لو كان المبدع عقلا


[١] : «لم يدبر المدبر الأول حيا من الحيوان و لا شيئا من هذا العالم السفلىّ أو فى العالم العلوى بفكرة و لا روية البتة. فبالحرى أن لا يكون فى المدبر الأول روية و لا فكرة».

و راجع أيضا: «ليس لقائل أن يقول إن البارى روّى فى الأشياء أولا ثم أبدعها. و ذلك أنه هو الذي أبدع الروية، فكيف يستعين بها فى إبداع الشى‌ء و هى لم تكن بعد؟! و هذا محال، و تقول إنه هو الروية، و الروية لا تروى أيضا؛ و يجب من ذلك أن يكون تلك الروية تروّى؛ و هذا ما لا نهاية له.

و هذا محال. فقد بان و صحّ صحة قول القائل: إن البارى- عزّ و علا- أبدع الأشياء من غير روية» (صفحة ١٦٤ س ٨- س ١٣).