كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٧٩ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا
هذا الكلام قد غرّ كثيرا ممن يميل إلى أن لا تبقى النفس البتة. فقالوا إن هذا الرجل حكم بأن أحوال النفس كلها بشركة حتى يلزم من ذلك أن يكون النفس لا تتهيأ لها المفارقة. و قد التبس عليهم الأمر من وجهين: أحدهما لأنه يقول بشبه و ليس يجزم القول جزما؛ و الثاني لأنه سلف له فى مقدّم المقدمة الشرطية الفعل و الانفعال جميعا. فيجب أن يكون القول فى المقدمة الثانية، و إن لم يكن لها شىء يخصها- أى مما ذكرنا من الفعل و الانفعال- و إذا كان كذلك كان الاستثناء الذي يمنع المفارقة. و لكن يشبه أن يكون لا شىء من أفعال النفس و انفعالاتها يخصها حتى ينتج أنها ليس يتهيأ أن تكون مفارقة.
و هو إنما أورد الانفعالات وحدها و حين يتجرد لأن يرى أن للنفس أمرا يخصه نذكر أن ذلك الأمر ليس من حقه أن يسمى انفعالا، بل هو أمر فعلى. و الدليل على أنه يريد ذلك أنه يعيد أشياء انفعالية مثل الغضب و السرور و الشجاعة و البغض و المحبة. فإذن غرض الرجل غير ما ذهبوا إليه. و قال المشرقيون: و مع ذلك فإن استدلاله على أنها بسبب ما يظهر معها من أحداث بدنية، و يظهر معها من هيئات بدنية خاصة للمذعور و الغضبان، و بسبب أنها تسرع فى بعض المستعدين- استدلال ضعيف، كما شرح قبل. أى أن الناس [١٥٥ ب] طلبوا النفس من أحد الطريقين أو من مجموعهما.
(آ) قال المشرقيون: ما كان يجب أن يورد أفلاطن بعد انبدقليس، فينبه على أنك تظلم ابندقليس. فإن الناس يعلمون أن أفلاطن يرى أن النفس جوهر غير جسمى، فتأوّلوا كلامه أنه يعنى بما يقوله أنّا نعقل كل شىء بصورة عندنا فى العقل كان جمادا [١] أو إنسانا أو أى شىء كان. فتبينوا أيضا أن ابندقلس ذهب مذهب هذا التأويل- يعنى مدارسات أفلاطن.
من هاهنا يبين أن المعقولات لا تدرك بعظم، و شىء من عظم بيانا كليا. و إن كان أورده جزئيا كأنه يخاطب طيماوس و يورد العظم على نحو ما يقول هو. فنقول إنكم تقولون إن العقل جسمانى، و يتصور المعقول بالملامسة جزءا بعد جزء. فليتنا عرفنا كيف نتصور الشىء بجزء منه و بشيء منه: الجزء عظمى، أو بجزء على سبيل الاستعارة، مثل نقطة ما،
[١] ن: بادا.