كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ١٠٤ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا
و الثاني إن هذه ليست معقولة؛ و ذلك أن العقل لها، أى: أن يعقل، إنما هو قوة للنفس العاقلة بعد تجريدها من المواد، و كون لذلك، أى للبسيط المجرد من الهيولى، أنه معقول، أى هو الذي يصير معقولا للعقل.
(ط [١]) و قد يسأل الإنسان إن كان العقل بسيطا، هما سؤالان ذكرهما ثم أجاب عنهما:
أحدهما أن يقال: العقل بسيط، فكيف ينفعل عن المعقول و لا شركة بينه و بين المعقولات؟
و من حكم الفاعل و المنفعل أن يكون شىء من حالهما، فيفعل فيه أحدهما و ينفعل الآخر.
و الجواب: أن الانفعال هاهنا على الوجه الأعم الذي يعم الانفعال الذي يلزم فيه ما ذكرت، و هو تغير لشىء و عن شىء، و الاستكمال الذي لم يزل فيه عن الموضوع شىء، بل حدث فيه ما لم يلزم غير زوال شىء عنه، كاللوح يكتب فيه. و على هذا الوجه ينفعل العقل- فلا يلزم ما ذكره السائل. و السؤال الثاني: هل العقل معقول [٢]؟ لأنه إما أن يكون معقولا لهويته، و هذا محال، لأنه يلزم أن يكون كل شىء معقولا لأن له هوية. و إن كان معقولا لشىء آخر، فما ذلك الشىء؟ فالجواب: أن هاهنا فرقا بين المعقول مما هو فى مادة، و بين البسيط الذي لا مادة له. فتصور المعقول البسيط، و المعقول: شىء واحد. فالعقل لا يحتاج فى تصور ذاته إلى شىء غير ذاته، إذ تصوره لذاته، و ذاته: شىء واحد، و لهذا يعقل ذاته دائما. و ما فى الهيولى يعقله بالقوة. و عنى بقوله: «فتكون هذه ليس لها عقل»؛ و ذلك أن العقل لهذه إنما هو قوة هذه مجردة من الهيولى، و كون كذلك أنه معقول.
إنه يفهم كيف يصور العقل للمعقولات، و ابتدأ بالمعقولات البسيطة لأنها تكون أولا، ثم ما بعدها. فقال: أما تصور العقل لها فيكون فيما لا صدق فيه و لا كذب، أى و لم يعمه كله. ثم انتقل إلى المركبات، و فى جملتها الصدق و الكذب. و إنما يكون الصدق و التركيب على أنه يطابق به الوجود، أى فيكون ما هو مطابق صادقا، و ما هو غير مطابق كاذبا.
ثم مثل المعقولات المركبة كيف اتفق بما يقول أنبدقليس، فربما كان التركيب صالحا للحياة، و ربما لم يكن. كذلك تركيب القول من معقولات تفاريق مثل تركيب العطر، و المشارك بسلب أو إيجاب: أى إذا كان التركيب يشير إلى مضى و استقبال أو حال تمثّل
[١] كذا جاء الترقيم فى الأصل.
[٢] ن: معقولا.