كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٧١ - (الميمر الثامن)
لها فى ذاتها فتكون لا حاجة لها إلى الفعل و العمل، فهى فى البدن كالمجردة عن البدن، و ليس كذلك بل إنما تستكمل أفعالها و هى فى البدن بأفعال و فكر و آلات و إن كان لا بدّ لها من فعل فلا ينتفع بقوتها فى إدراك المعقولات فيكون إدراكها للمعقولات بالآلات.
و هذا محال: فإن المعقولات لا تدرك إلا بالقوى الغريزية التي للجوهر النفسانى دون الآلات الخارجة. فالجواب أن النفس لا تدرك العقليات الصرفة إلا بقوتها تلك، لكنها لما صارت بدنية، أى محتاجة إلى البدن فى أفعالها، احتاجت إلى شىء آخر تجلو به القوة، و يكملها و يصيرها كما ينبغى أن يكون لها فى ذاتها، فلا تكمل تلك القوة لفعلها لأنها احتاجت إلى زيادة فيها و جلاء لها و معبّر. و إنما كملت للأفعال التي بها تنال ذلك الجلاء و الاستعداد التام فصارت عمّالة بعمل لتكمل القوة و تجعلها بمطالعة المحسوسات مهيأة لقبول فيض [١٥٣ ا] من فوق تتم به قوتها. و لو كانت للنفس قوة كاملة بها تتصل بالعقل، لم تحتج إلى أن تلابس الأبدان، فإن ملابستها الأبدان لتكميل تلك القوة. قال إن القوى فى الجواهر العالية تقع تامة مقارنة للفعل، و إنما تكون القوة فيها ليس أن يمكن أن يكون عنها الفعل و أن لا يكون، بل إنما التي يصدر عنها الفعل وجوبا لكمالها ثم استغناؤها بعد كمالها بنفسها، لأن كل شىء منها يفعل بعد الأول و بعد ذاته كل شىء من ذاته، و لأنه يلزم. و أما فى الجواهر التي فى هذا العالم فإن القوة إنما تكمل بالفعل، كما ترى أن قوة الكتابة بعيدة فتصير بالاستعمال قريبة، و كذلك الصناعات و غيرها. و أما هناك فالقوة توجب الفعل و تتمّه.
و هاهنا فالقوة إنما تقوى و تنشأ بالفعل.
ذكر [١] المشاهدة الحقة: [و] هى التي لا يكون الالتفات فيها نحو الصور الحقة من غير حاجة إلى ملاحظة ما ينتجها أو يكون عنه، و إنما تكون إذا تمت القوة و كملت فتشاهد الجنس الحق بالقوة التي لها دون عمل أكثر مما يسميه النهوض، و هو كالإعراض عن هذا العالم و شواغله و الإقبال على عالم الحق، و لا يحتاج إلى هذا النهوض إذا كانت متجرّدة.
[١] «إن الشىء الذي به ترى النفس الأشياء العالية و العقلية و هى هناك، تراها و هى هاهنا و هو قوتها؛ و فعلها إنما هو نهوض تلك القوة. و ذلك أنها اشتاقت إلى النظر إلى ذلك العالم و نهضت بقوتها و استعملتها غير الاستعمال التي كانت تستعملها و هى هناك، لأنها كانت تدرك الأشياء هناك بأهون السعى و لا تدركها هاهنا إلا بتعب و مشقة. و إنما ينهض تلك القوة فى خواصّ الناس و من كان فى أهل السعادة.
و بهذه القوة ترى النفس الأشياء الشريفة العالية التي كانت هناك أو هاهنا» (ص ٩٧ س ٥- س ١٢).