كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٥٢ - المقالة و الميمر الثاني

[١] إن المتوسط يتوسط على وجهين: فإن منه موصلا و منه حاجبا [١]. و إذا كان المتوسط موصّلا [٢]، صار بعد الاتصال كأنه غير متوسط، لأنه إذا وصل ما يصل بالمتوسط [٣] فمن حيث وصل لا بمتوسط [٤]، و إن كان من حيث به الوصول متوسط. و أما المتوسط الحاجب فهو الذي لولاه‌ [٥] لوصل الشى‌ء: و الخير [٦] الأول يصل منه إلى الأشياء [٧] ثلاثة أشياء: أحدها الوجود، و الثاني كمالات الوجود الثانية [٨]، و الثالث جلية ذاتها و نيلها و معرفتها على الوجه الذي يمكن. فالمتوسط الموصّل: إما أن يتوسط فى الوجود فيكون موصّلا للوجود؛ و إما أن يتوسط فى كمالات الوجود فيكون موصّلا لكمالات الوجود؛ و إما أن يكون موصّلا لجلية ذاته. فهناك يكون الموصل مرتفعا إذا وصل، فيكون الشى‌ء [٩] مشاهدا بجلية الحق مشاهدة بلا متوسط من حيث هى مشاهدة و إن كانت بمتوسط من حيث هى مشاهدة معلولة بجلية الحق غير محتجبة بذاتها عن القوابل. و إن كان القبول لا [١٥٠ ا] يقع إلا بتوسط فذلك توسط الإيصال، و هو رفع توسط الحجب، فيكون التوسط حينئذ كأنه زوال التوسيط، و تكون جلية الحق سارية إلى أقصى ما يصح أن ينالها نيل المعرفة- و إن كثرت المتوسطات- سريانا هاتكا للحجب.

[٢] جواب الشك أن النفس فى حد [١٠] قبليتها لا يجوز أن يكون لها إدراك جزئى معين،


[١] : «إن النفس إذا كانت فى العالم الأعلى اشتاقت إلى الخير المحض الأول. و إنما يأتيها الخير الأول بتوسط العقل. بلى، هو الذي يأتيها. و ذلك أن الخير المحض الأول لا يحيط به شى‌ء و لا يحجبه شى‌ء و لا يمنعه مانع من أن يسلك حيث شاء. فإذا أراد النفس أتاها، و لم يمنعه مانع من ذلك، جرمانيا كان أو روحانيا. و ذلك أنه ربما سلك ذلك الخير الأول إلى الشى‌ء الآخر بتوسط ما يليه. فإن لم تشتق النفس إلى الخير الأول و اطلعت إلى العالم السفلى و اشتاقت إلى بعض ما فيه، فإنها تكون فى ذلك الشى‌ء على قدر ذكرها إياه أو توهمها له» (ص ٢٣ س ١ س ٩)

[٢] : «فإن قال قائل: إن كانت النفس تتوهم هذا العالم قبل أن ترده، فلا محالة أنها تتوهمه أيضا بعد خروجها منه و ورودها إلى العالم الأعلى؛ فإن كانت تتوهمه، فإنها لا محالة تذكره، و قد قلتم إنها إذا كانت فى العالم العقلى لا تذكر شيئا من هذا العالم البتة؟ قلنا: إن النفس، و إن كانت تتوهم هذا قبل أن تصير فيه، لكنها تتوهمه بوهم عقلى. و هذا الفعل إنما هو جهل لا معرفة، غير أن ذلك الجهل أشرف من كل معرفة. و ذلك أن العقل يجهل ما فوقه بجهل هو أشرف من العلم» (ص ٢٣ س ١١- س ١٧).


[١] فإن منه متوصل و منه حاجب‌

[٢] حاصلا

[٣] إلى المتوسط

[٤] متوسط

[٥] فى م، ت: لو لا هو. و يصح أيضا

[٦] الجزء

[٧] الأشياء: ناقصة

[٨] كذا فى م، و ينقص فى ت‌

[٩] الشرف بهذا الجلية

[١٠] أو: جد، كما فى ت‌