كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٦٤ - الميمر الخامس
داع بدعوة و حامل يحمله و أمر خارج عن وجوده الأحسن به أن يكون موجودا، بل وجود كل شىء عنه كذلك و تعقل ذاته الذات التي بها يمكن وجود كل شىء و يجب تعقله لها، و إن ذاته الذات الذي يلزم عنها الممكنات عنها لأنه يعقلها، و بهذا يتم كون العناية عناية و يكون للذات تقدم على وجوب الأشياء. و إنما يكون بالقياس إليها إمكان الأشياء عنها و لا يكون وجوبها مع وجوبه بلا توسط وجوب صفاته التي له فى ذاته. و أما الإبداع فأن يكون للشىء وجود عن الأول وحده، فلا يكون كان الأول و شىء آخر من أسباب الشىء و شرائطه، ثم وجد الشىء. و كذلك إن قال قائل كان الأول و إمكان وجود ذلك الشىء فى نفسه، فقد قدم عليه اثنين؛ فإن قال كان الأول و لم يكن معه إمكان وجود ذلك الشىء فى نفسه فكان ذلك الشىء ليس ممكن الوجود فى نفسه، و ما ليس ممكن الوجود فى نفسه موجوده إما واجب لا علة له، [١٤٥ ب] و إما ممتنع لا علة له أيضا، و لا يصح أن يقال: إن إمكان وجوده هو حال العلة من حيث يصح عنها وجوده، فإن ذلك قد بيّن خطؤه فى الكتب. فالإبداع الحق أن لا يتمكن إمكان وجود الشىء أن يتقدمه مجاورا لعدمه تقدما بقبلية لا تصطحب هى و بعديتها معا. إذ عرفت أن القبليات منها ما يصاحب البعديات، و منها ما لا يصاحبها. فيجب إذن أن يكون التقدم فى الإبداع إن كان الإبداع وجود الشىء عن المبدأ وحده فقط بلا توسط سبب؛ و شرط آخر هو تقدم ذات المبدع تقدما ذاتيا ليس بقبلية منافية للبعدية، و هى القبلية الزمانية التي تصاحب الإمكان و كل شىء إليه مرجعه، أى إنما يطلب الاستكمال من قبيله و يستكمل بالتشبه به.
فصل: قال يجب أن يترك [١] أن العالم بأسرها مدينة دبرها الشريعة الفاضلة، فجعلت لها أخرى منظومة بعضها مع بعض سابقة بعضها لبعض إلى نظام كلى و خير كلى، و هو واحد فى الأصل و يتشعب فى الفروع؛ كذلك السماوات من جملة أخرى مدينة التدبير الأول المتوسطة بين مبدأ التدبير و بين منتهاه؛ يفيض عنها التدبير بحسب العناية و تتحرك للطاعة الأولى و التشبه بالمعقول المحض على ما عرف، فيتبعه نظام أو خير فيما دونه و إن لم يقصده بذاته لأجله، بل المقصود غيره. و ليس إنما يؤثر فى عالم الكون و الفساد بحركاته
[١] كذا فى الأصل و لعله: يدرك، و اشتبه على السامع حرف الدال فكتب يترك.