كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٨٧ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا

غير منقطعة فى نفسها، بل عارض لها حال عارضة من خارج تعوقها عن خاص فعلها، كما يعرض فى السّكر و فى حال المرض. و كذلك إذا عرض للتصور العقلى و النظر المنسوب إليه أن تغير حاله و اختلف، فلأنّ شيئا من الأسباب الباطنة فى البدن عرض له حال كما يعرض فى مثل الإحساس، و لكن فى الأعضاء الظاهرة. و أما أصل النفس و ذاته الأولى الحقيقية فلم تتغير البتة، و لم تتوجه إلى الفساد. و ذلك لأن الشى‌ء الذي به نعقل، لا يمكن أن يكون مشاركا للبدن فى القوام لما علمت، و لأن الشيخوخة قد لا يخلقه و لا يضعفه و يضعف سائر القوى. و اعلم أن هذا البيان خاصّ بالنفس الإنسانية. و أما النفوس الأخرى فلا يسلم فيها أن العين إذا صلحت أبصر المسنّ فيها كالشاب. و ذلك لأن العين، و إن صلح مزاجها، فإن القوة تأتيها من عضو آخر هو المبدأ، أو من قوة أخرى هى أصل النفس.

فإذا كان الحيوان ممعنا فى السن فكان النفس الأصل منه بدنيا، وجب أن تعرض للنفس الأصل آفة بالأسنان، فلم يكن الفاعل قويا على الفعل، فلم يتمّ الفعل، و إن كان المنفعل تام الاستعداد و يكون كما يعرض أن يلحق الدماغ آفة و العين صحيحة المزاج و التركيب، فتلحق الإبصار آفة. و لم يورد أرسطو مثال الخير مثال الحس على أنه أمر ظاهر لا ريب فيه. بل على أنه مثال من نفس المذهب، يقال فيه ما يقال فى المقدمة التي يقاوم بها إعراض- فكأنه قد أعرض أحد- فقال: و الشيخ يكلّ فى التصور العقلى. فكلّ ما يكل، فيه سبب آفة فى مشارك ما، فذلك لآفة فى الأصل. فبين أن ذلك لا يجب أن يكون لآفة فى الأصل، بل يجوز أن يكون لكذا. و قولنا فى الحس أيضا هو هذا القول، فإنه يصدر عن النفس، ثم يعرض عائق فلا يصدر عن النفس على ما ينبغى، و إن لم يكن بالنفس آفة فإنه يجوز أن تكون لا لآفة فى النفس بل لآفة فى شي‌ء غيره و هو المنفعل و أن يكون الشيخ لو صلحت عينه و أعضاء أخرى أن كانت متوسطات بين النفس و عينه لحصلت له قوة باصرة يبصر بها كما يبصر الشاب.

و كما أن هذا يجوز أن يدّعى و يقال من غير أن يكون [١٥٨ ب‌] محالا فى نفسه، إلى أن يبين أمره، فكذلك يجوز أن يقول أيضا إن هذا المبدأ قد يشغل عن فعله و يعاون عن فعله من غير آفة فى جوهره. فتكون إذن الكبرى فى قياسهم غير مسلم. و لقائل أن يقول إن الشيخ لعله إنما كان يمكنه أن يستمر فى أفعال عقله على الصحة، لأن عقله يتم بعضو فى البدن يتأخر إليه الفساد و الاستحالة و إن ظهرت الآفة فى سائر القوى و الأعضاء. لكنه‌