كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ١٠٧ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا
بالقوة، بل كان يكون بالقياس إليه غير مدرك بالفعل و القوة، مدركا لأنه غير مدرك.
و ليس البصر فى الظلمة بالقوة لأجل أنه لا يدرك فقط بالظلمة، بل لأن الشىء المظلم من شأنه أن يصير مدركا؛ و من شأن البصر حينئذ أن يصير مدركا له بالفعل؛ فلما جعلته الظلمة غير مدرك بالفعل، صيرت البصر غير مدرك بالفعل. و بهذا [١] وحده لم يجعله مدركا بالقوة، بل ذلك لأن المظلم فى نفسه من شأنه فى حال أخرى أن يدرك؛ فإن كان عدم إدراك العقل لمدركه يجتمع فيه الأمران جميعا: أنه غير مدرك بالفعل إدراكا وجوديا لحائل حال.
أو لشرط زال، و لكنه فى طباعه مدرك إذا زال العائق أو وجد الشرط، فيكون العقل بالقياس إليه مدركا بالقوة، و إن كان إنما هو معنى عدمى، و يدرك من حيث هو عدم فقط، فتكون حاله كحال الظلمة فى أن البصر فى أنه يدرك أن لا يدركها هو بالفعل. ثم إن كان ذلك المعنى العدمى سببا فى أن لا يعقل معنى وجوديا صيره المعنى العدمى بالقوة معقولا، فهى بالقياس إلى ذلك عقل بالفعل. و إن لم يكن كذلك، فلا يلزم أن يكون عقلا بالقوة. و اعلم أنه اجتمع فى الظلمة أنها عدم استضاءة ما من شأنه أن يستضيء، و لزمها عدم أن يرى شىء آخر هو اللون. فإذا أبصر البصر الظلمة صار بالقوة رائيا لما تزول عنه الظلمة و تخلفه؛ و لو دام الظلمة لم يكن بالقوة رائيا، و ليس ذلك بسبب أنه يرى الظلمة و هى عدمية، بل لو كان ذلك ضدا كان حكمه هذا الحكم. و هذا الضرب من القوة يتبع المدرك من حيث هو زمانى متغير.
قال المشرقيون: فعلى تحصيلك يجب أن يكون عقل العقل عدم الخير و النظام فيما ليس له ذلك، لا يجعله عقلا بالقوة، لأنه لم يصر بذلك بالقوة بحسب فعل البتة، بل إذا كانت معقولات جعلها ذلك غير معقولة بالفعل كما تجعل الظلمة الألوان غير مرئية بالفعل؛ أو إذا عقلها من حيث هى متغيرة متبدلة. و أما ما يجب أن يقال فى عقل السبب الأول ذاته و غيره، ففى كتب أخرى. جملة هذا الكلام: أن المعقول إذا لم يكن من شأنه أن يكون تارة بالقوة و تارة بالفعل، أدركه العقل الذي بالفعل. و إذا كان من شأنه الانتقال من حالة إلى حال، لم يدركه العقل الذي بالفعل على هذا الوجه. و مثاله فى البصر و الظلمة و اللون، أن البصر لو كان يدرك ظلمة ما ليس من شأنها أن تزول فيخلفها اللون، لم يصح أن يقال إن البصر
[١] ن: بهذه.