كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ١٠٦ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا
(ه) غلط الإسكندر و من كان على رأيه فى هذا، ففهموا منه أنه إذا فارق صار (كما) كان قبل اتصاله بالبدن. و ليس المراد هذا، بل يعنى إذا فارق بقى كما هو على [ما [١]] قدر ما اقتناه من السعادة بحسب المعقولات، لم يزد و لم ينقص، بل بقى أبديا كما هو، و لم يمت.
أى ما كان من غير المنقسمة بهذه الصفة. فإن فهم العقل إياه بأنه يعدم ما هو مفهوم صورى بنفسه، فإن مثل هذا غير منقسم، على طريق أنه ليس فيه معنى قابل للانقسام كالكمية، فالعقل ليس يعقل هذا على أنه معنى متقرر فى العقل، بل على أنه عدم لمعنى معقول. يعقل العقل هذا بأنه عدم ذلك، مثل ما يعقل الشر (بأنه عدم الخير) و الأسود بأنه مثلا عدم اللون، فكأنه إنما يعرف هذا لا من نفسه بل بضده: يعرفه إذ يعرف ضده لذاته، و هذا يعرفه بأنه ليس ذلك، فلا يأتى العقل بسببه صورة جديدة، بل يكون عادما للتصور، عالما أنه عادم لصورة يريدها. و يجب أن يكون ما يدرك هذين واحدا بذاته.
فيعقل الصورة بوجه، ثم يعقل ضد ذلك و مقابله لأنه ليس يجده [٢].
(ه) [٣] أى: فإن كان عقل من العقول و سبب من الأسباب الأولى ليس فيه حالتا قوة و فعل، فلا يكون فيه اختلاف؛ فإنما يعقل أول عقله لذاته، و هو بذاته مفارق لكل شىء.
قال المشرقيون: غرض الرجل، على ما يشهد به مفسروه، أن ما ليس يمكنه أن يكون بالقوة، فليس يعقل الأعدام، كما أن البصر إذا لم يكن بالقوة لم يدرك الظلمة، فتكون المبادي العقلية لا تعقل الشرور، فإن الشرور هى أعدام كمالات. و يجب علينا أن نتأمل هذا، فنقول: تحصيل يجب أن يحصل [١٦٥ ا] بالجملة حال البصر عند الظلمة، و أنه على كم وجه هو. فنقول إن الظلمة إما أن تكون عامة، فيكون البصر بالقوة المطلقة مبصرا، أى بحسب المبصرات بذاتها؛ و إما أنه بحسب إدراكه أنه لا يرى، فهو بالفعل يدرك أنه لا يرى؛ و إما أن تكون خاصة، فيكون البصر بالقياس إلى بعض الأشياء مدركا له بالفعل الإدراك الصورى، و هى الأشياء المستضيئة، و بحسب إدراكه أنه لا يدرك- و هو إدراكه الظلمة- مدركا بالفعل أنه لا يدرك؛ و بحسب إدراكه أشياء ليست بالفعل مرئية، بل بالقوة، فهو مدرك بالقوة؛ و لو كان شىء طبيعته و هيئته الظلمة، و ليس هناك طبيعة أخرى جعلته الظلمة مرئية بالقوة، و لو جاء بدلها الضوء صار مرئيا بالفعل- لما كان البصر بالقياس إليه مدركا
[١] فوقها خط.
[٢] أو: يحده.
[٣] هنا تبدأ أرقام.