كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٣١ - (الفصل التاسع)

الشى‌ء يجب أن يكل و يتعب، إنما التعب هو أذى يعرض بسبب خروج عن الحالة الطبيعية. و إنما يكون ذلك إذا كانت الحركات التي تتولّى مضادة لمطلوب الطبيعة؛ أما الشى‌ء الملائم و اللذيذ المحض الذي ليس فيه منافاة بوجه فلم يجب أن يكون تكرّره متعبا.

و لا أيضا ما يقوله ثامسطيوس‌ [١] حق. فإنه يقول إنه إنما لا يتعب لأنه يعقل ذاته، كما أن الشى‌ء لا يتعب من أن يحب ذاته، فإن العلة ليس هو أنه لذاته أو لغير ذاته، بل لأنه ليس مضادا لشى‌ء فى جوهر العقل.

ثم نقول: و حينئذ لا يكون الكريم هذه الذات التي هى بالقوة، و لا المعقول الذي فرض أحسن و أحرى، بل هذا الخروج إلى العقل، و هذا الإدراك للمعقول الخارج. فيكون الأثر المأخوذ من الخسيس فى غاية الشرف. [١٤١ ب‌] و هذه كلها محالات، بل عسى الصواب أن يجعله عاقلا لذاته فى حد ذاته. فإن كثيرا من الأشياء أن لا تبصر خير من أن تبصر.

فليس إذن الأفضل على كل حال أن يعقل أىّ شى‌ء اتفق، بل أن يعقل ذاته. فأقول: إن عنى الرجل أن الأفضل أن يعقل ذاته فقط، فقد قال ما ليس بممكن. فإنه إن عقل ذاته على كنه ما هى عليه عقل ما يلزمها لذاتها بالفعل، و عقل كونها مبدأ و انثال‌ [٢] عليه أن يعقل الكلّ و إلّا لم يعقل ذاته بكنهها. و إن عنى أن أول عقله هو عقله لذاته، و من ذاته يعقل الأشياء، لا من الأشياء، فلا تكون الأشياء سببا لكونه عقلا، بل يكون كونه عقلا فى ذاته سببا للأشياء- فهو صحيح. لكنه كان يجب أن يشير إليه و لا يسكت عنه. قال:

و ليس بمسلّم أيضا أنه إن لم تبصر بعض الأشياء فهو خير من أن تبصر، بل هو كلام عامى جدا. ثم قال: فإذن يعقل ذاته، إذ كان الأقوى. أقول: إنه يشبه أنه يرى هذا و يقوله على أنه من ذاته يعقل الأشياء، و لأنه يعقل ذاته و قوله: إذ كان الأقوى يعقل ذاته، إذ كان أفضل كل شى‌ء، و لم يكن فى أن يكون مستكمل الذات بالذات نقص، بل بالغير. ثم يقول: و يعقل التعقل، أى يعقل و يعقل أنها بالفعل متعقلة.

ثم يشير إلى أنه لا يفرّق فيه العقل و العاقل و المعقول، و ليس يلزم كلامه هذا أن يكون مذهبه أن فى كل شى‌ء العقل و المعقول و العاقل واحد. و ذلك لأنه فرض أنه يعقل‌


[١] راجع قبل ص ٢١

[٢] كذا فى الأصل، فإما أنه تحريف و إما أنه يحتاج إلى شى‌ء من التأويل.