كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٢٣ - و من كتاب الانصاف شرح كتاب حرف اللام للشيخ الرئيس ابن سينا على بن الحسين بن عبد اللّه
إذا كان كون و فساد، فيجب أن تصدر [١] أفعال شتى؛ و لا يصدر عن الواحد من حيث هو واحد أفعال شتى. فيجب أن يصدر عن ذاته فعل واحد به الحفظ؛ و يصدر عنه بالعرض و بما يتفق من قربه و بعده و محاذاته و انحرافه- أفعال شتى، فيكون يفعل بذاته الحفظ، و بالعرض الاختلاف الداخل تحت الحفظ.
فعل الاختلاف إما أن يكون بحركة أخرى حافظة للاختلاف تابعة للحركة الأولى من وجه، و إما من تلك الحركة بعينها حتى تكون تلك الحركة بالذات تحفظ النظام، و بالعرض تجدد [٢] الأحوال و الأنظار.
و الوجه الأول مثل أن يكون المتحرك الحركة الأولى يحفظ فقط و ليس فيه مبدأ قريب للاختلاف مثل حركة الكرة التاسعة، و تكون حركة أخرى تحفظ بهذه الحركة و نفسها تولد الاختلاف مثل حركة كرة البروج و ما تحته فكأنه يقول: فإذن الفعل المختلف إنما ينبعث عن فعل غير الفعل الأول الثابت أو عنه؛ فإذن الأول أجود، أى الفعل الأول الثابت أفضل. فأما اجتماع الأبدية و الاختلاف معا حتى يكون نظام الاختلاف و أدواره متصلة، فيكون اختلاف و اتصال- فذلك مما يتم بكلا السببين: السبب الثابت، و السبب المختلف.
فإذا كان بيّنا أنه إن كان يجزى الحركات على خلاف هذا فذلك موضع حيرة:
كيف يجب أن تطلب المبادي؟ فإنه ليس إلا هذا النوع الذي طلبنا؛ و أما نوع آخر- إن كان، و لم يكن مبدأ حفظ و مبدأ اختلاف- فحينئذ ستكون الأشياء من عدم و من ظلام.
و ليس يحتاج إلى المقدّم الذي لزمه، و ذلك المقدّم أن الحركات بالخلاف مما قلنا، لأن هاهنا ما يتحرك حركة دائمة لا يسكن، و ليس وجوده بحسب القول و الاستدلال [١٣٩ ا] العقلى بل و بالفعل الحسى؛ فليس وجوده بالقوة بل بالفعل.
أنكر على أرسطاطاليس و المفسّرين، فقال: قبيح أن يصار إلى الحق الأول من طريق الحركة و من طريق أنه مبدأ الحركة، و تكلف من هذا أن يجعل مبدأ للذوات: فإن القوم لم يوردوا أكثر من إثبات أنه محرّك ليس أنه مبدأ للموجود. وا عجزاه! أن تكون الحركة هى السبيل إلى إثبات الأحد الحق الذي هو مبدأ كل وجود!! و يقول: إنه ليس يجب من جعلهم المبدأ الأول مبدأ لحركة
[١] ت: يصد.
[٢] و يمكن أن تقرأ: تحدد.