كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٢٥ - و من كتاب الانصاف شرح كتاب حرف اللام للشيخ الرئيس ابن سينا على بن الحسين بن عبد اللّه
لا يمكن أن يكون كمال حقيقى إلا و هو له فى ذاته،- و الكمال الحقيقى هو الكمال الذي يليق به. و يشير بالملائم إلى تأكيد ما ذكره أولا بلفظ المختار لذاته، و ملاءمته أن الأثر الذي ينال منه هو الملائم لكل شىء: طبيعيا كان أو نفسانيا أو عقليا. فكل شىء ينال من فضل وجوده بحسب طاقته و يكون لكل نيل نسبة شبه ما به ابتداء من الوجود و انتهاء إلى أكمل ما يكون فى إمكانه أن يقبله من كمالات الوجود حتى يبلغ القدرة و العلم.
و هذه أظلال لكمالات ذاته و صفاته [و] حتى يبلغ أن [١٣٩ ب] ينال بالوجه العقلى حقيقته، فتلتقش فى جوهر القابل الهيئة، ثم يتفاضل هذا الانتقاش بحسب درجات النائلين. فأعظمهم إدراكا أشبههم به فى إدراكه لنفسه.
و السبب الذي لأجله وقعت الكثرة فى المتكوّنات أن السبب الموجب: منها ما هو الأول بذاته سببه، و منها ما ليس هو بذاته سببا له، بل و بتوسيط. و كأنه يقول: إن الكثرة وقعت لأن الأشياء بعضها منه بلا توسيط، و بعضها من غيره بلا توسيط و إن كانت ترتقى إليه.
قال ثم يقول: فإن هذا الذي وصفناه هو محرك، و لكن لا يتحرك و هو موجود بالفعل؛ و ما يتحرك عنه موجود بالفعل. و لا يجب أن تلحقه غيرية، أى اختلاف حال. و ذلك لأن اختلافات الأحوال تضطرّ ضرورة، فى تجددها، إلى حركة مكانية، و ما لا يتحرك الحركة المكانية لا ينتهى إليه اختلاف حال. ثم يقول: و إذا كان يحرّك لأنه بذاته معشوق، و لأن المتحرك مستعدّ للانفعال الذي تتبعه الحركة، فيكون قد اجتمع المؤثّر بشروطه و المتأثر بشروطه، فإذا كان كذلك وجب الفعل و الانفعال ضرورة و لو فى القوى التي تقارب النطق. فيكون إذن الفعل و الانفعال ضرورتين [١]، و تكون ضرورة كريمة لها وجود شريف، إذ يتعلق به نظام الكل. و لسنا نعنى بهذه الضرورة أنها ضرورة قهر أو ضرورة لا بد منها فى شىء، بل ضرورة بمعنى أنه لا يمكن أن تكون بوجه آخر.
و ليس معنى هذا الكلام أن السماء حركتها ضرورية بذاتها، و لا يمكن إلا أن تكون على ما هى عليه، بل إنما هى ضرورة بالشرط المذكور. و إذا اعتبر كل شىء بذاته غير منسوب إلى جهة نيله من الحق الأول، فهو غير ضرورى الوجود، بل إمكانى الوجود.
[١] ن: ضرورتان.