كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٨٠ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا

إذا كانت النقطة بملامستها تنال الشى‌ء و تتصوره. فما معنى الدوران و الانقلاب على المعقول فإنه إن كان ينال بكل ملامسة بعرض فى كل آن بنقطة. و تلك الملامسات فى قوتها غير متناهية، فيكون إنما يدرك الشى‌ء مرارا غير متناهية. و إن كان إنما يدرك بعظم سواء كان عظما مجلوبا من حركة مستدير لا يلاقى معظمه إلا بحركة مثل المدور بتدحرج على مسطّح أو كان غير مجلوب به. فأما أن يكون ذلك العظم مستحقا لذلك الإدراك أو لا يكون مستحقا؛ فإن كان ذلك العظم مستحقا لذلك الإدراك، فيجب أن يكون لنسبة عظيمة بين المدرك و المدرك. فبحسبه أن يكون المدرك العقلى شيئا مشارا إليه، معه نسبة مخصوصة، مثل ما للخير. و ذلك غير واجب، فإن من المدركات العقلية ما لا يتجزأ و لا ينقسم فى النسب العظمية. و إن كان ذلك العظم غير مستحق له، فيكون الإدراك قد حصل بما هو دونه. فإنه إن كان بالوصول دور، إنما هو أقل منه، لا يحصل الإدراك حتى يستوفيه. فذلك القدر مستحق. و قد قلنا إنه غير مستحق؛ هذا محال. فإذن يجب أن يكون الإدراك حصل قبله. ثم الكلام فى ذلك المقدار الذي يحصل فيه قبله، مثل الكلام فيه، فيكون إذن قد أدرك الشى‌ء مرارا كثيرة، بل بغير نهاية. و إنما كلامنا فى إدراك واحد من حيث هو واحد. فإن كان قد يجرى فى الإدراك أن ينال بأي جزء كان، فما الحاجة إلى الحركة؟ و إن كان يحتاج فى الإدراك إلى أن يقع لكل المتصوّر ملامسة ما مع كل المتصوّر، فالملامسة جزءا بعد جزء لا غناء له، لأن كل واحد منها لا ينال به تصور؛ و كل واحد منها يبطل عند انتقال الملامسة بالدور إلى جزء آخر، فلا تحصل الملامسة بالكل معا، فلا يتهيأ البتة الملامسة بالكل معا. ثم كيف يدرك المعنى المتجزئ إن كان يدرك بغير مجزّئ، و غير المتجزئ؟ و هذا الكلام عام لوجوه كثيرة، سواء كان يدرك بحركة أو بغير حركة، و بملامسة و غير ملامسة. أما بالملامسة و الحركة، فالأمر فيه ظاهر؛ و أما إذا أريد به وجه العموم فليعلم قبله أن المعنى المعقول، و إن كان من المعانى التي لها أوضاع و أعظام، فإنه لا يختص بوضع و لا عظم، و لا يمكن أن يجعل له البتة، من حيث يعقل، وضع و لا عظم مخصوص. فإن المعنى المعقول هو المشترك للجميع. و إذا خصّ بوضع و عظم مشار إليه معين، وجب أن لا يشترك فيه الجميع. و إذا كان كذلك، فالمعنى المعقول مبرّأ عن الأوضاع و الأعظام المعينة و عن سائر