كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٩٣ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا
كما هو، أو اتحد به شىء منه. أو إنما يمثل فيه أثر منه. فإن كان اتحد به العقل الفعال كما هو، فقد صار عقلا بالفعل فى جميع المعقولات، فلم يجهل شيئا من الأشياء و يطلبه. و إن كان إنما يتحد به شىء منه هو ذلك المعقول، فقد جعلوا ذات العقل الفعّال كثير الشعب، و أن بعض أجزائه و أحواله تتصل بشيء دون الباقى. فهو مع ذلك بحيث يفارقه بعض أجزائه و لواحقه. فإنه لا يمكن أن يكون، و هو واحد، بالعدد فيه، و هو مباين، و فى غيره. ثم العجب الآخر أنهم يقولون فى مثل العقل الأول أنه لا يعقل إلا ذاته فقط. فهذا الذي يقول منهم هذا، يلزمه أن يقول إن العقل الفعّال إنما يتحد بالنفس حين تعقّله النفس فقط. فأما المعقولات الأخر فلا يحتاج فيها إلى اتحاد العقل الفعال به. و لكن من رأيه أن كل خروج عقل من قوة إلى فعل هو بالعقل الفعال، و إن كان العقل الفعال ليس يتصل فى خروج من القوة إلى الفعل إلا بكليته و لا بأجزائه، بل إنما يقع منه فى القابل للمعقولات أثر فقط يحاكيه [١٦٠ ب]؛ و نحن إنما نخرج إلى الفعل معقولا معقولا، فلا يتفق البتة أن يتحد بنا العقل الفعال و يصير كمالا بالفعل لشىء منا. فإذن لا يجوز أن نقول إن أرسطو يشير إلى أن الذي يفارقنا هو ذلك العقل الفعال. فبقى أن يكون غرضه باقى الأقسام، و هو الشىء الذي له قوة على أن يعقل بالفعل أو الشىء الذي صار عاقلا بالفعل، أو هو عاقل بالقوة.
فلنفرض أن كلامه فى الذي هو الجوهر العاقل إذا حصل عاقلا بالفعل؛ و لنفرضه غير عاقل بالقوة. فإن كان ليس من شأنه أن يقوم بذاته فماهيته مفتقرة إلى شىء آخر يقوم به.
و ليس يمكن أن يلحقه شىء من الأعراض التي تعرض له، و الكمالات التي تلحقه فتجعله قائما بنفسه، فإنهم أنفسهم يقولون إن الشىء الذي لا يكون قائما إلا بشيء يقوم به، فإنه لا يصير بلاحق يلحقه يعينه مستغنيا عن الشىء الذي يقوم فيه. فيكون الواحد يكون صورة أو عرضا لا يقوم إلا بموضوع أو هيولى، ثم ينقلب إلى جوهر آخر مفارق بنفسه للاحق يلحقه. فإذ كان هذا مما لا يقولونه هم، و البرهان يمنعه، فإذن لا فائدة فى أن يتخصص هذا بالجوهر العاقل بالفعل. فبقى أن يكون غرضه بهذا الجوهر، الذي من شأنه أن يعقل. و لا يخلو إما أن يكون ذلك جسما أو جوهرا غير جسم. و معلوم أنه ليس إنما وقع الشك عند أرسطو فى أن أجزاء من البدن هل تفارق، و من شأنه أن يعقل على حاله فبقى أن يكون جوهرا غير جسم. ثم قد علم من مذهب أرسطو أنه يرى أن النفس واحدة