كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ١٠٠ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا
تخصه من الصور الهيولانية فليس يمكنه أن يكون قابلا لجميع الأمور التي يتصورها العقل، بل تمنع تلك الصورة عن بعض ما للعقل أن يعقله. فليطلب ذلك من علومهم.
(ه) أى أن هذا الشىء الذي يقبل المعقولات، طبيعته أنه مهيأ لها، و ليس له فى جوهره شىء منها.
(و) يجب أن يعلم أنه يضع نفسا تميز و هو نفس الإنسان، و هو النفس الناطقة؛ و يجعل له قوة بها يرتئى و ينظر فى المعقولات. فهو يتكلم فيها مفردة عن سائر قواها، و ذلك لأن لها قوة أخرى نحو البدن: تدبر بها البدن، و بحسب الوصلة التي لها مع ما دونها. فأما هذه القوة التي يتكلم فيها الآن، فإنها لها نحو الأشياء العالية، و بحسب الوصلة التي لها مع ما فوقها.
و هذه القوة يجوز أن يكون كونها قوة على حسب أنها استعداد لقبول المعقولات، و يجوز أن تكون قوة على حسب أنها تكون مبدأ طلب المعقولات. و هى بالاعتبار غير الأولى، فإن الاستعداد الصرف ليس له القبول. و أما هذا الآخر فله قوة تصرّف فى أمور لينال بها أمورا أخرى. و نحن نعلم أن للنفس القوتين جميعا، لكن أحدهما متقدمة و أولى، و الثانية كأنها تحصل من بعد. و الأولى أن تسمع تمام الكلام فى ذلك من المشرقيين. و قوله إن هذه القوة ليس شيثا من الأشياء، ليس يعنى أن النفس الناطقة ليس لها فى ذاتها وجود جوهرى، و لا أن هذه القوة ليس لها وجود بالفعل قوىّ استعدادى، حتى نقول إنها لا شىء البتة بوجه من الوجوه، إلا أن يعقل بها؛ فإن ما هو فى نفسه لا شىء و لا موجود، فلا يصير هو بعينه شيئا بوجه من الوجوه. بل إن حدث شىء فيكون شيئا بنفسه آخر غيره، ليس أن يكون هو يصير ذلك الشىء. و لا يجوز أن يكون ما لا وجود له استعداد الشىء عند شىء؛ فإنه إن لم يكن شيئا البتة لم يكن استعداد حاصلا؛ و إذا لم يكن استعدادا حاصلا، لم يكن مستعد [١]. و إذا لم يكن مستعد [٢]، لم يكن قابل للخروج إلى الفعل؛ بل يعنى بهذا أن هذه القوة ليس يقارنها شىء من صور الأشياء التي تكتسبها بعد، و لا فعل لها البتة من حيث صور المعقولات. و يريد بهذا [١٦٣ ا] خلاف أفلاطون الذي يظن أن الصور المعقولة موجودة فى النفس و جوهرها، لكنه ينساها و يشغل عنها. و هذا مما لا يمكن، فإنه إذا لم يكن كون النفس عاقلة بالفعل، إلا أن تكون فى ذاتها صورها بالفعل، و إذا كانت صور الأشياء فى ذاتها، لم يجز أن يقال إنها معرضة عنه. فإن الإعراض عن مثل ذلك إنما يمكن فى شىء له تجزؤ، أو له قوى، فيكون عنده شىء فى جزء منه أو قوة؛ و يكون الإدراك بأن يستعمل فى تلك الأشياء جزءا آخر أو قوة أخرى، لتحصل
[١] أى: موجودا
[٢] أى: موجودا