كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٨١ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا

اللواحق التي يجوز أنه [١٥٦ ا] يعرض لجزئياته من الكيفيات و الإضافات و غير ذلك، بل إنما يكون الأمر المشترك فيه، فإذا حللنا الصورة المعقولة أو العلم العقلى شيئا متجزّئا، و فرضنا لذلك المتجزئ جزءا بالفعل بالفرض، كما نفرض للجسم الأبيض جزءا بالفعل بالفرض أو بسبب آخر من الأسباب التي توجب نوعا من التجزئة، و إن لم يفكك الاتصال. فإما أن يكون المعنى العقلى كما هو موجودا فى كل واحد من الجزءين، أو يكون لا كما هو، أو لا يكون موجودا بوجه من الوجوه. فإن لم يكن لا هو و لا شى‌ء منه موجودا فى شى‌ء من الجزءين، فكلية الجزءين خال عنه أصلا. فإن التربيع أيضا، و إن لم يوجد فى جزء السطح الذي يوجد فيه التربيع، فإن شيئا منه و مما يتم هو به موجود فيه لا محالة.

و هذا بيّن بنفسه. و إن كان هو فى الجزءين معا موجودا، ففى كل واحدة منهما صورة معقولة مما غناء ما فى الجزء الآخر فى أن يتم ذلك المعقول، و لأى سبب اختص المعقول بأن أخذ من العظم كليته دون جزئيته أو جزءا منه بعينه دون جزء، و إذ كان حقيقة ذلك يتأتى أن يرتسم فى الجزء كما يرتسم فى جزء أعظم منه، أو فى الكل. و إذا كانت الحقيقة لا توجب ذلك، فإنما يوجب ذلك الاختصاص معنى مضاف إلى الحقيقة. و لا يخلو إما أن يكون لازما له أو عارضا لوقت و حين، و فى بعض الأقسام و الأحوال. فإن كان لازما له، وجب أن يكون موجبه لازما له. فوجب أن يكون ذلك الاختصاص واجبا. فوجب أن أن لا يكون الانقسام إلى أجزاء متشابهة فى الصورة. و قد فرضنا أنه كذلك. فإذن هو عارض له.

و نحن قد أخذنا المعنى العقلى مجردا عن الأحوال الأخرى غير ماهيته و ما توجبه ماهيته فى أن يعقل. فبيّن أن القسم الذي اعتبرناه فاسد. فبقى القسم الآخر، و هو أن لا يكون المعنى فى أحد الجزءين كما هو فى الكل و يكون مخالفا له. فلا يخلو إما أن يكون جزءا من معناه، أو لا يكون. فإن كان جزءا من معناه، و الآخر جزءا آخر من معناه، فالمعنيان أجزاء الماهية، و ما كانا ليتفقا فى تمييزهما إلى أن جزّأنا نحن و قسّمنا، بل هما فى أنفسهما متميزان، و إن لم يكن جزءا من معناه و شيئا منه فكل واحد منهما جزء من معناه. فلنا أن نجزئ مرة أخرى و قسمة أخرى و لا نقف. فتكون إذن أجزاء المعانى للشى‌ء الواحد