كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ١٠٨ - التعليقات على حواشى كتاب النفس لأرسطاطاليس من كلام الشيخ الرئيس أبى على بن سينا
يدرك بالقوة. و إن كان من شأنها أن تزول و يخلفها اللون، فإن البصر يدرك بالقوة [١٦٥ ب] بالقياس إلى اللون. و الأعدام و الشرور التي يدركها العقل بالفعل تشبه الظلمة التي لا يخلفها ضوء أو لون.
أى: و قولك بلسانك أو فى عقلك إن كذا كذا هو الذي يجرى فيه أن يكون صادقا أو كاذبا. فإن كل ما يجرى هذا المجرى صادق أو كاذب. و كذلك ليس كل تصرف عقلى فى المعقولات يجب أن يكون هو ما هو الصادق. لكن التصرف الصادق، أى الذي لا كذب فيه، هو تصور الماهية. و هذا يعنى بقوله: لكن الذي يقول فى ماهية الشىء ما هى، أى الذي يتصور ماهية الشىء فقط بلا تركيب آخر. و ليس يعنى الذي يقول لماهية الشىء إنها ماهية الشىء و تعقلها ماهية الشىء، فإن هذا يدخله الكذب أيضا. و ليس الكلام فى ذلك أولى بأن يشتغل به من سائر المعقولات، بل يعنى به نفس تصور المعانى البسيطة. و هذا هو البرىء من الغلط، و إياه يعنى بالصدق. ثم يقول:
ليس هذا الصادق البرىء من الغلط من التصرف هو تصرف التركيب؛ بل كما أن الإبصار لا يكذب فى البسيط و هو اللون الذي يتصور فيه، فلا غلط له فيه، بل إنما يغلط إذا ركب به غيره. ثم قال: كذلك حال البرىء من الهيولى. و قد ظن بعض أصحاب أرسطو أن البرىء من الهيولى يجب أن يكون عقله للبسائط الذي لا غلط فيها، و أن لا يكون بينه و بين المركبات سبب: قالوا أيضا لأن الموجبة و السالبة معقولان معا، و عقل السلب و العدم يجعل العقل بالقوة. قال المشرقيون: العجب من قولهم إن العقل لا يعقل التركيب لأن التركيب يمكن أن يقع فيه [١] غلط. فنقول إذا كان طبيعة الشىء بحيث يعقل الأشياء كما هى و لم يخالطه ما بالقوة، لم نخش عليه أن يغلط فى عقل المركب، بل كان عاقلا للبسيط من غير غلط، و للمركب من غير كذب، لأنه يعقل منه الصادق، و عقله السلب و العدم لا يضره. و العجب أنهم يقولون إن منافع أعضاء الحيوان و أجزاء النبات و الحكم فى تركيب الكل، صدر عن الأمر الإلهى، و عن حكمة علوية. ثم يقولون: لا الشرور، و لا الضرر، و لا المركبات، معقولة. و كثير من تلك لا تكون مقصودة ما لم يعقل ضرر و لم يعقل مركب.
(ز) إنه يذكر أمر الشوق و الإجماع. فقال: و الإحساس يشبه ما يدل عليه أن يقال
[١] ن: فيها.