كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٦٢ - الميمر الخامس
فصل: قال: إن الرحمة الإلهية توجب تدارك الضعف بما يمكن أن يتدارك به بحسب كل شىء من مادته و صورته. فإن كان الحيوان ضعيفا عادما للعقل احتال له العقل الذي فيه، أى الأمر العقلى الذي هو هبة و قوة من قوى نفسه التي تصوّره حتى تعطيه آلات دفّاعة عنه جلابة إليه. و نعنى بالعقل هاهنا النصيب من الأمر العقلى الذي كأنه فيض واحد لا يزال يتناقص و ينحط من العقلية إلى النفسية إلى الطبعية. و هذا كلام بحسب التخييل، و أما بالحقيقة فليس الواحد بالعدد ينقسم بل بالتناسب.
فصل: قال: إن كان ذلك العالم تاما غاية التمامية و هى الفضلية، فلا محالة أن فيه الأشياء كلها- أى لأنه يلزمه من حيث هو عقل أن يعقل ذاته و يعقل جميع الأشياء التي تلزم ذاته، لأنه إذا عقل ذاته كان عاقلا لما يلزمها بلا توسط و عاقلا لكل ما يلزم ما يلزم له و ما أيضا بلا توسط إذ لم يكن عقلا بالقوة يحتاج إلى إخطار بالبال حتى يصير له ذلك الواجب أن يعقله الذي لا يمكن أن يجهله خاطرا بالبال. فإن هذا إنما يجوز فى العقول الناقصة. و إذا كان كذلك كان حكمه حكمنا لو خطرت لنا الأوساط بالبال على ترتيبها، فعقلنا بالضرورة جميع النتائج. و أما هناك، فالذى لنا بالقوة الناقصة أو القوة القريبة من التمام هو بالفعل التام، فيجب أن يعقل كلّ شىء، و أن يعقل كل شىء: هو أن يحضره صورة كل شىء معقولة مهذبة عن الغواشى الغريبة.
فصل: قال: أما الحق الأول فكل ما يوجد عنه فهو معلوم له أنه يوجد عنه و يتبع وجوده وجوده، و يصير به إمكانه وجوبا، و لكنه لا ينزل منه منزلة من يقصده و يجعله غاية و يطلب له وجودا، بل وجوده وجود يفيض عنه كلّ وجود على ترتيبه و على ما يعلم هو من الأصلح فى وجود كل شىء و الأصلح لنظام الكل الذي نعلم أن فيضانه عن ذاته ممكن الإمكان الأعمّ، و أن أحسن ما يمكن عليه أن يكون كذا فيصير المعقول عنده من إمكان وجود الكل عنه على الوجه الأصلح لنظام الخير موجودا؛ و سببه عقله لذاته و عقله للنظام الفاضل فى وجود الكل. و هذا المعنى يسمى «انبجاسا» من حيث اعتبار جانب الموجودات عن الأول «و إبداعا» من جانب نسبة الأول إليها. و لقائل أن يقول: إن كان وجود الأشياء لازما لذاته على ما هى عليه فليس لتعلقها بأنه يعقل وجود الكل على أصلح الوجوه