كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٦١ - الميمر الخامس

فيعقل ذاته و يعقل الأول. و ناله من الأولى بذلك للأول اثنينية تقع له لا بعد هويته، بل بهما تكون هويته، ثم يتبعها عقلها لما يتبعها و يصدر عنها، فتكون تلك. و إن كان فيها كثرة، فإنما هى كثرة لازمة بعد استكمال الهويّة كما أن تلك الوجودات بعد الهوية. و بهذه الجهة جاز أن يبدع من العقل المبدع الأول، عقل و نفس سماوية. و أما البحث عن أن كل واحد من تلك الاثنينية يكون لها أيضا اثنينية أخرى، فيجب أن يكون على هذا. نقول: إنه لا يمكن أن نذهب إلى غير نهاية، فيجب إذن أن نقف عند وحدتين صرفتين، فيكون أقل ذلك أن يكون أحدهما ماهية و الأخرى وجودا من الأول. فنقول: إن الماهية لا تركيب فيها من جهة النسبتين فإنها ليست مبدعة من حيث هى ماهية، بل من حيث مقرون بها الوجود؛ فليست الماهية إذا التفت إليها من حيث هى ماهية مجموع ماهية و وجود من الأول به وجبت، بل الوجود مضاف إليها كشى‌ء طارئ عليها. فليست الماهية تقتضى اثنينية فى ذاتها لأنها ماهية، بل لعل ذلك يكون لأنها ماهية شى‌ء مركب فى حقيقته. و أما جانب الوجود فلعل قائلا يقول: وجود تلك الماهية فى حيز نفسها ممكن أن يكون و أن لا يكون، و من الأول هو واجب فهو أيضا متكثر ذو اثنينية بتسلسل إلى غير النهاية. فنقول: ليس كذلك، بل وجود تلك الماهية ليس إلا نفس الوجود و ليس شيئا يلحقه الوجود، بل هو نفس الوجود الذي يلحق الماهية و ليس له وجود آخر حتى ينظر هل هو [١٤٤ ب‌] له بإمكان، و هو فى نفسه وجود، و هو أعم من وجود الإمكان و وجود الوجوب، فمن حيث تلتفت إليه من أنه وجود ليس لك أن تحكم عليه بتخصيص إمكان أو وجوب. و أما كونه للماهية فممكن بإمكان للماهية و واجب من الأوّل ذلك الوجوب، هو ذلك الوجود من حيث هو ذلك الوجود. و هذا الإمكان ليس جزءا من ذلك الوجود حتى ينقسم به، بل هو حال لازمة لتلك الماهية من نفسها. و ذلك الوجوب هو حال لتلك الماهية مقيسة إلى الأول. و الوجود نفسه، من حيث هو معتبر بنفسه، وجود فقط لا شى‌ء من الأشياء الأخر، بل ربما قارنها من غير أن ينقسم بها فى نفسه. و أما أن الإمكان كيف يكون من لوازم الماهيات، و هل يدخل مع ذلك فى الإبداع أم لا يدخل، و كيف القول فيه إن لم يدخل فيكون شى‌ء بعد الأول غير منسوب إلى الإبداع، و كيف القول فيه إن دخل- فقد شرح فى «الحكمة المشرقية».