كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٧٢ - (الميمر الثامن)
قال [١]: إن الأنفس التي تفارق الأبدان لا تخلو من أغشية و لبوسات، و إنها تحتاج أن يكون لها بدن ما، يكون له به تعلق ما تستبقى به إن كانت قد وجدت الكمال العقلى، و إن الأجسام السماوية لا تمتنع أن تستعملها أنفس غير أنفسها ضربا من الاستعمال. و النفس إذا تمت قوّتها فى هذا البدن فبالحرى أن يكون لها أن تستعمل بدله- لضرورة ما و حاجة ما- بدنا أجلّ منه و أشرف.
قال [٢]: إن النفس إنما يجوز أن تتذكر المعانى الجزئية ما دامت لها الآلات التي بها تنال و تتخيل المعانى الجزئية، و هى آلات بدنية. و نفوسنا إن كان حقا ما نظن بها أنها ربما كانت لها علاقة مع الأجسام السماوية حتى تكون مثلا كالمرئى لها و تكون مرآة واحدة مشتركة لعدة ناظرين فيها- جاز أن يكون هناك ذكر، فإذا تنزلت من العالم العقلى الذي هناك العقل المحض و الإدراك المحض للمعنى الكلى العقلى، فأول حيّز الذّكر هو عالم السماء، فيجوز أن يكون لأنفسنا أن تتذكر هناك شيئا. و أما أنه كيف يجوز و بتوسّط ما ذا يكون، فليطلب من «الحكمة المشرقية». و ليس ببعيد أن يكون لبعض أنفسنا، و نحن فى هذه الأبدان، علاقة ما مع الأحوال السماوية و بها نتصل بالنفس السماوية فنأخذ الجزئيات منها فى المنامات و غيرها فإذا فارقت البدن فكانت بدنية بعد، كانت لها تلك العلاقة أشد. و بتلك العلاقة البدنية يتأتى لها أن تتجدد عليها الأحوال، و تنسلخ عن الهيئات المستفادة من هذه الأبدان.
قال [٣]: الصور المادية لا تصلح أن تتصور المعقولات من حيث هى معقولة، بل تتصورها على نحو آخر.
قال [٤]: إن النفس تزيّنها العقول الفعالة و تتممها، فإنها لها كالولد لأن عقلية النفس غير جوهرية بل مستفادة.
[١] يجوز أن تكون الإشارة إلى قوله: «و ذلك أنه إذا اعتنقت (فى المطبوع: اعتنفت) الأكوان النفس دائما نسيت ما كانت فيه من قبل» (ص ٩٩ س ١٠- س ١١)، ثم إلى ما ورد بعد فى الصفحات التالية عن الكواكب. غير أن الإشارة هنا أيضا ليست صريحة، بل مشكوك فيها تماما.
[٢] يجوز أن تكون الإشارة هنا إشارة عامة إلى ما ورد فى الصفحات ٩٨ و ما يليها من نشرة ديتريصى. فليس فيه إشارة صريحة إلى نص بالذات مما لدينا.
(٣- ٤): «إن النفس عقلية إذا صارت فى العقل. غير أنها و إن كانت عقلية، فإن عقلها لن يكون إلا بالفكر و الروية، لأنه عقل مستفاد. فمن أجل ذلك صارت تفكر و تروّى. إن عقلها ناقص، و العقل هو متمّم لها كالأب و الابن: فإن الأب هو المربى لابنه و المتمّم له. فالعقل هو الذي يتمم النفس، لأنه هو الذي ولدها» (ص ١٠٥ س ١٣- ١٧).