كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٧٣ - (الميمر الثامن)
قال [١]: إنه لما كان مبدأ الأشياء كلها الباقى بذاته و الحق بذاته، كانت الأشياء كلها نازعة إليه إما بالاختيار و إما بالإرادة و إما بضرب من الإلهام و إما بحسب (ميل) الطباع إلى حب البقاء، و طلبه بالشخص أو تخيله ليبقى بها بالنوع و لتحركه بذلك.
قال [٢]: إن جميع ما يتأدى إليه الوجود داخل فى العناية الأولى، و بسبب العناية الأولى [١٥٣ ب] ما يحال العفونات إلى حيوانات هى أشرف من أن تكون عفونات، و هى التي تغتذى بالعفونات فتأخذها من الهواء و من الماء و من الأرض كأنها كسّاخات للعالم.
قال [٣]: ليست الفضائل- و بالجملة، المعانى المعقولة- مرتسمة فى النفس بالفعل دائما كأنها تنظر إليها، بل إنما تحضرها إذا فكرت فيها. فأقول إنها إذا كانت طالبة لها فكرت، و إذا كانت واجدة لها، فكلما شاءت أقبلت عن الأمور البدنية إلى جانب العقل فاتصلت بالعقل. و إنما لا تتمثل المعقولات عند العقل دائما بالفعل لأن النفس منا تخلو عنها، و لو لم تخل عنها لكانت متمثلة بالفعل بها و ليس لها خزانة كالذكر، فإن الذكر للمحسوسات؛ بل للنفس اتصال و انفصال، و الذكر طلب استعداد تام الاتصال. فإذا فكّرت و علمت، كان لها أن تتصل متى شاءت، و أما أن الخطأ كيف يقع منها و كيف يزول عنها و كيف يعود إليها، ففيه كلام طويل.
[حجج أفلاطون على بقاء النفس. قال: «النفس الناطقة تعرف ذاتها و الأشياء التي لا تلابس الهيولى البتة. و كلّ ما يعرف ذاته و الأشياء التي لا تلابس الهيولى البتة فإنه غير جسم و مفارق للأجسام». أما: غير جسم، فلأنه يعرف ذاته، و أما: مفارق للأجسام، فلمعرفته بالأشياء التي لا تلابس الهيولى البتة. فالنفس الناطقة إذن غير جسمانية و مفارقة للأجسام. و كل ما ليس بجسم و مفارق للأجسام لا ينحلّ كانحلال الأجسام و لا يتفرق و لا يبيد إذا فارق البدن كما يبيد العرض. فالنفس الناطقة إذن لا تنحل و لا تبيد إذا فارقت
[١] «و نحن أيضا قوامنا و ثباتنا بالفاعل الأوّل و به نتعلق و عليه اشتياقنا و إليه نميل و إليه نرجع، و إن نأينا عنه و بعدنا فإنما مصيرنا إليه و مرجعنا» (ص ١٣٢ س ١٢- س ١٤).
[٢] يجوز أن تكون الإشارة إلى قوله: «و يرى هناك العقل الشريف قيّما (فى المطبوع: فيما) عليها و مدبرا لها بحكمة لا توصف و بالقوة التي جعل فيه مبدع العالمين جميعا» (ص ١٠٧ س ١- س ٣) أو إلى مواضع مختلفة من العناية الإلهية وردت فى أماكن متفرقة من الكتاب.
[٣] يجوز أن تكون الإشارة إلى ص ١٣٣ و ما يليها؛ و لكن الإشارة غير صريحة.