كتاب الإنصاف - ابن سينا - الصفحة ٦٣ - الميمر الخامس
تأثير، و إن كان إنما يتبع وجود الأشياء بعقله لزومها [١٤٥ ا] إياه، فيكون إنما وجبت بتعقله لها، و تعقله لها ليس فى مرتبة تعقله لذاته بل تابع لتعقل ذاته فيكون لذاته اعتبارها مع ذاته، و لذلك قبلية ذاتية على تعقله أو معية اعتبار ما لم يجب بل إنما يجب بتوسط أن يعقلها و إذا كان كذلك فتكون باعتبارها فى درجة تعقله لها ممكنة أن تكون عنه. فتعقلها إذن ممكن عن ذاته، لا واجب عن ذاته. فما ذا يجب إذن؟ فإنه إن عقلها واجبة كان عقله لها موافيا لوجوب لها عنه فى أنفسها، صادفه العقل. و كذلك فيكون لزومها عنه ليس بتوسط عقله لها بل معه أو قبله، فلا يكون إنما وجدت لأنه عقلها، و لا يكون إنما صلحت و انتظمت أحسن الانتظام لأنه عقل أن النظام الخيرى ذلك، بل وجبت كذلك بتعقلها [١] كذلك. فتكون إذن ذاته إما جلابة للأشياء إلى الوجود لا من حيث تعقلها بل من حيث ذاته، و إما أن تقول إنه يقصدها و ينظمها. فإذا قلت يقصدها و ينظمها، فقد قلت عليها مرة أخرى إنه يعقلها، لأن قصد مثله لا يجوز أن يكون إلا عقليا. فبقى أن ذاته جلابة للأشياء إلى النظام، ليس إنما عقلها على مراتبها و على الأصلح لها فتبع عقل ذلك نظامها، بل وجب عن ذاته نظامها فعقلها على نظامها. و يرتفع الشىء الذي تسميه أنت عناية و هو تعقل الأول للمصلحة و الصواب. فيكون كون الأشياء من الأول صرف انبجاس لا يتعلق بتعقله لها، و إن كان قد يصحبه تعقله لها. فنقول إن الأول تعقّل الأشياء ممكنة عنه فى حد تعقلها الأول، و عقله لها ممكن يتبعه لزومها لوجوده فتصير بأن تعقلها واجبة عنه. فهى مع عقله لها فى الترتيب الذاتى ممكنة، و بعد عقله لها بالترتيب الذاتى واجبة. ثم يعقل وجوبها عنه بأحوال لها: بعضها واجبة لازمة لما يوجد عنها، و بعضها غير واجبة بل ممكنة. و تعقل الأصلح لها من وجوه إمكانها، فيصير الأصلح من الممكنات لها بعد أن عقلت أصلح واجبا، و هو العناية، و هو العقل الأصلح ما يكون. و إن وجودها منه لكمال وجوده و الزائد على الكمال؛ و إنها إنما تلزم عنه لأنه على أفضل أنحاء الوجود فيصير كالمقصود بالعرض. و أما الحق فغنىّ بذاته عن كل طلب و قصد جميل أو غير جميل. فإن الجميل لا يكون علة داعية له إلى شىء و إلا حمل به إن تحبّب؛ و إن كان سواء فلا داعى؛ هذا بيّن عند العقول الصحيحة. و قد جل الأول عن
[١] ن: تعقلها.