الإبتلاء مدرسة الإستقامة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٢ - حتمية الإبتلاء
سر ظاهرة الموت
وفي البدء لنتأمل ونمعن النظر في سر ظاهرة الموت التي هي ليست في الحقيقة غريبة وعجيبة، لأننا نعيشها ونلحظها في كل آن، ولكن الغرابة والعجب يكمنان في سر هذه الرحلة. فقد يسأل الإنسان نفسه في هذا المجال قائلا: ترى ما قيمة هذه الحياة التي نحياها اذا كانت تختتم بالموت؟ فها نحن نبني ونعمل وننتج ونعمر الأرض .. وإذا بكل شيء ينتهي في تلك اللحظة المخطوطة، والأجل المكتوب، لينتهي معه النزاع والتكالب على هذه الدنيا وحطامها رغما عنا.
وبناء على ذلك فما قيمة هذه الحياة، وما قدر هذه الدنيا، وما أعظم تلك العبر والدروس والمواعظ التي علمونا إياها أئمة الهدى عليهم السلام، وأرادوا لنا بها خير الدنيا وثواب الآخرة؟ فها هو ذا إمامنا موسى الكاظم عليه السلام ينطق بالموعظة البليغة، عندما ينظر الى ميت قد إنشغل أهله وأصحابه باهالة التراب على جسده فيقول:"
إنَّشيئاً هذا آخره لحقيق أن يزهد في أوله، وإنَّشيئاً هذا أوله لحقيق أن يخاف آخره". [١]
فهذا هو حال الدنيا، فالانسان يسعى فيها ويجهد ويبني ويشيد ثم يأتي هادم اللذات فينغص عليه لذائذه، ويهدم بفأسه آماله وأمانيه.
صحيح إن هذه الدنيا لا تخلو من راحة أوتمتع بنعمة أو نشوة، ولكن يجب أن لا يغيب عن بالنا إن تلك النعم واللذائذ إن خلت من التنغيص فان زوالها السريع هو التنغيص بذاته. ثم إننا كثيراً ما نرى أن ساعات التمتع
[١] بحار الأنوار، ج ٧٠، ص ١٠٣.