الإبتلاء مدرسة الإستقامة - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ٥٤ - الثمار الإيجابية للإبتلاء

كيف تعامل الائمة مع المآسي؟

ونحن نستطيع أن نلمس بشكل مباشر هذ الحقيقة في واقعة الطف، التي لا يشك أحد في أنها كانت أعمق أثراً، وأوسع نطاقاً من أي مصيبة أخرى. ففي صلب أجواء هذه المصيبة كانت للإمام الحسين عليه السلام كلمات وخطب تتفجر منها الحكمة، وتفيض منها الروح الايمانية الصلبة، والنور الإلهي البهي. فكلماته عليه السلام التي انطلقت من صميم واقع المصيبة كانت تعبر عن العمق الإيماني، والروح الوثابة في جبهة الإمام الحسين عليه السلام.

وهكذا الحال بالنسبة الى الإمام الحسن المجتبى عليه السلام؛ ففي اللحظات الأخيرة من حياته وهو يعاني من ألم السم القاتل الذي دسه إليه معاوية، دخل عليه جنادة طالباً منه أن يوصيه، فيبادر الإمام الى تقديم وصيته له قائلًا:"

... واعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، وإذا أردت عزاً بلا عشيرة، وهيبة بلا سلطان، فاخرج من ذلِّ معصية الله الى عزِّ طاعة الله عز وجل، ...". [١]

ولاريب إن هذه الوصايا لم تكن مجرد كلمات عابرة يطلقها إنسان يحتضر، ويكاد جسده يتفجر من الألم، بل هي كلمات تفيض حكمة ورشداً وروحاًإيمانية .. وفي ذلك دلالة كبرى على مدى استيعاب الإمام عليه السلام لحكمة الحياة، فقد استطاع بشخصيته العظيمة أن يتجاوز حدود المأساة.


[١] بحار الأنوار، ج ٤٤، ص ١٣٩.