الفكر الإسلامي اصوله و منهاجه - المدرسي، السيد محمد تقي - الصفحة ١٨ - العقل وتقییم الافکار

الغيبية. وتجعل الدين هو الحاكم المطلق في تلك الحقائق، ومن هنا جاء في الحديث: أصل ديني العقل .. وخلافاً أيضاً للحسيين والتجريبيين الذين حددوا العقل بحدود المادة المحسوسة .. إذ ليست الأحكام العقلية حسب هذه الرؤية نابعة من مقتضيات التجربة الخاصة أو الحس المادي حتى تختص بالعالم المحسوس. بل إنها نابعة من النور الذي يجد الإنسان كل شيء به. حتى أن التجربة ذاتها والحس نفسه لن يفيدان شيئاً دون وجود ذلك النور حسبما يأتي تفصيل القول فيه بإذن الله:

١- إن للعقل أحكاماً سابقة لم تجرب تكون مقياساً للإنسان في معرفة الفكر الصحيح.

٢- وبالرغم من أن هذه الأحكام لم تلد مع الإنسان، فإنها أيضاً ليست وليدة تطور ذاتي له أو مؤثرات مادية فيه، بل هي موهبة له في فترة البلوغ.

٣- وإن الأحكام ليست ذات العقل، بل العقل هو الذي يكتشف تلك الأحكام للذات، وقد نتج من الجهل بهذه الحقيقة أن أخذ (كانت) و (ديكارت) وكثيرون آخرون، أخذوا ينقدون الأفكار النفسية ظناً منهم أنهم ينقدون العقل، وقد كانوا محتاجين إلى نور العقل في كل خطوة خطوة من نقدهم هذا، ولذا فإن نقدهم لتلك الأفكار كان اعترافاً منهم بصحة العقل.

٤- إن للأحكام العقلية أربع ميزات. إنها جازمة لا ريب فيها. وشاملة لا تقييد فيها. وواحدة عند كل عاقل .. وثابتة لا تطور فيها.

وسنرى بإذن الله كيف تكوّن هذه الخصائص بعض القيم التي تستند إليها النفس في نقد افكارها.