التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٢٧٠ - اشارة
[النسخ و الاصلاحات التشریعیة]
اشارة
من طبیعة الحرکة الاصلاحیة الآخذة الی التقدم بوجه عام، ان یتوارد علی
تشریعاتها نسخ متتابع، حسب تدرجها التصاعدی نحو قمة الکمال. تلک طبیعة
الحرکة الاصلاحیة محتمة، و لا سیما اذا کانت الامة التی انبعثت فیها هذه
النهضة التقدمیة امة متوغلة فی الضلال و بعیدة عن معالم الحضارة الی حد
کبیر حیث الانتشال بها من واقعها السحیق و الانسجام مع سجیتها المتوحشة،
لمما یبدو متعذرا و یتطلب طی عقبات و مراحل متلاحقة.
و هکذا استدعت
التشریعات الاسلامیة نسخا متتالیا منذ ان ظهرت الدعوة فی مکة المکرمة، و
حتی الی ما بعد الهجرة الی المدینة المنورة، و قد انتهت شریعة النسخ- فیما
یخص آی الذکر الحکیم- بوفاته- صلّی اللّه علیه و آله- حیث انقطاع الوحی.
و
کانت ظاهرة النسخ امرا لا بد منه فی کل تشریع یحاول ترکیز معالمه فی
الاعماق، و الاخذ بید أمّة جاهلة الی مستوی عال من الحضارة الراقیة. الامر
الذی لا یتناسب مع الطفرة المستحیلة، لو لا الاناة و السیر التدریجی
المستمر خطوة بعد خطوة.
و من ثم فان النسخ ضرورة واقعیة تتطلبها مصلحة الامة ذاتها، و لم یکد ینکر ما لهذه الظاهرة الدینیة من فائدة و عوائد تعود علی الامة،