التمهید فی علوم القرآن - المعرفت، الشیخ محمد هادی - الصفحة ٤٤ - أدلّة حدیثة علی وجود الروح
فی الجسم إلّا و هو آخذ فی التبدّل و التغیّر لفترة محدودة، و لا سیّما إذا کان التذکّر بعد أمد طویل.
فإمّا أن نخطّئ ذاکرتنا- التی حکمت بالعینیّة- أو نسلّم بلا مادیّة ظاهرة الإدراک و التذکّر، الأمر الذی یجعل الأخیر هو الصحیح، حیث کانت بداهة الوجدان هی المحکّمة فی هذا الرفض أو القبول.
أدلّة حدیثة علی وجود الروح:
أمّا الفلسفة الحدیثة فأخذت من التعمّق فی علم الفزیولوجیا «علم وظائف
الأعضاء»، براهین جلیّة علی صحّة وجود النفس و تمییزها عن الدماغ و وظیفته:
أوّلا:
إنّ الأعصاب المنتشرة علی سطح الجسم لا تؤثّر فیها العوامل الخارجیّة علی
حدّ سواء، بل یقتضی لها مؤثّرات معیّنة. لاهتزاز الألیاف الدقیقة المؤلّفة
منها. مثلا انّ التأثیرات النظریّة لا فعل لها فی عصب السمع و بالعکس. فإذا
اتّخذنا مثلا حاسة البصر موضوعا لبحثنا نری أنّ الحرکة التموّجیّة فی
الأثیر، بتأثیرها فی شبکة العین، تحدث اهتزازا فی العصب البصری، و هذا
الاهتزاز یمتدّ الی الطبقة البصریّة المستقرّة فی وسط الدماغ و من هناک
یندفع الی مرکز الحواس، حیث ینتشر فی القلالی الدقیقة، و یوقظ الخلایا
العصبیّة المتعلّقة بالتأثیرات البصریّة. و علیه فکلّ نوع من التأثیرات
الحسیّة تتفرّق ثم تتجمّع فی مکان مخصوص من الدماغ و قد أثبت التشریح وجود
أماکن معیّنة فی الدماغ، و نواح محدودة یتجمّع فیها و یتکاثف و یتحوّل ما
تنقله إلیها الحواس من التأثیرات الخارجیّة. و قد قام علماء الفزیولوجیا
ببعض امتحانات علی الحیوانات الحیّة، أظهروا بها أنّهم بنزعهم عن هذه
الحیوانات قطعا أصلیّة من المادّة المخیّة قد افقدوها قوّة ادراک التأثیرات
النظریّة أو السمعیّة. بل أثبت العلّامة «شیف» بالامتحان، أنّ الحرارة
ترتفع فی جزء من أجزاء دماغ