عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٥٢ - كيف تتشكل العصمة؟
الطبيعية والسوية لسلوك الإنسان فسنجد أن ثمة قوة تدفع بهذا الإنسان نحو أن ينشد كمالاً ما ، وغالباً ما نجد قرارات الفعل وموانعه تتبع هذه القوة وتتأثر بها ، وهذه القول هي ما يسميها الله سبحانه وتعالى بالفطرة (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لاَ تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ) [١] ووفق نقاوة هذه الفطرة تتلون حركة معيارية بواعث الإرادة في الفعل الإنساني ، فقد يتصرف الإنسان تصرفاً خاطئاً فيحكم بنفسه على هذا التصرف بالخطأ أو الذنب ، وذلك بسبب أن المعيارية المناقبية في فطرته تناقضت مع ما نحت ارادته إليه ، وذلك ضمن تفصيل لا مجال له في هذا البحث ، [٢] وما يهمنا هنا هو القول بأن نقاوة هذه الفطرة وعدمها هي التي تشكّل صيغ إمتناعات الإنسان عن أمور وإقدامه على أخرى ، وبحثنا هنا سيتركز على تحليل ذلك لنفهم كيف تتشكّل العصمة في سلوك الإنسان.
ومن أجل فهم تشكّل العصمة في فعل الإنسان ، علينا أن نفهم حركة الفعل في شخصية الإنسان ، فهذا الإنسان ـ أي إنسان ـ جبل محتواه الداخلي على وجود نقيضين متصارعين وفق ما بيّنته الآية الكريمة : (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) وهذان النقيضان يمثلان استعداداً ذاتياً وقوة كامنة في داخل كل نفس ، إذ يجرّ الفجور بهذه النفس نحو التسافل العقلي ، [٣] فيما تدفع التقوى بها نحو السمو والرقي (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا). [٤] والصراع بين هذا التسافل وذلك التسامي والاتقاء هو
[١] الروم : ٣٠.
[٢] تحدّثنا بنوع من التفصيل عن ذلك في كتابنا الذي نعدّه حالياً عن الميثاق الإلهي.
[٣] لا نقصد بالعقل في هذا المبحث هو الحالة الذهنية للإنسان ، بل هو مجموع ما يسميه الفلاسفة بالعقلين النظري والعملي ، وصورته المتكاملة التي يعبر عنها حديث جنود العقل والجهل المروي عن الإمام جعفر بن محمد الصادق عليهالسلام ونصه في كتاب الكافي ٢٠ : ١ ـ ٢٣ ح ١٤.
[٤] الشمس : ٧ ـ ١٠.