عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٣٨٤ - جبرية العصمة
ولبقية الأنبياء عليهمالسلام تثبت خيار الارادة لديهم ، فقوله تعالى : (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) [١] في الوقت الذي يثبت فيه عدم تغلغل أي نمط من انماط الشرك إلى المرسلين الذين يوحى إليهم ، فهو يحمل دلالة واضحة على وجود الخيار الارادي في سلوكياتهم ، وإلا لما كان في الكلام معنىً ، فالمجبر لا يقال له لا تفعل ، ولا يهدد على فعل أمر ما ، إلا مع وجود حالة الاختيار التي تبيح له امكانية عصيان الأمر ، فالآية الشريفة في الوقت الذي تبرز نتائج الاشراك الوخيمة ، فهي تتحدّث في نفس الوقت عن الامكانية الفعلية للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم والذين من قبله عليهمالسلام ، لو أرادوا أن يشركوا ، إذ مع انتفاء هذه الامكانية ينتفي معنى الحديث عن هذه النتائج ، فلو أوثقنا إنساناً ما في حبال ، وربطناه وهو موثّق بوتد حديدي مثبت في أرض ضخرية بشكل لا يمكن معه من الحركة والفعل ، فهل سيبقى من معنىً لكلامنا له بأنه لو تحرك من مكانه فسينال العقاب الكذائي؟!.
وقوله سبحانه وتعالى : (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ * لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ * ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ) [٢] هو الآخر مع اثباته عدم تقوّل الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بمثل هذه الأقاويل ، فإنه يبرز خيار الاختيار الارادي عنده ، فأي معنىً لمن ربط على لسانه أن يهدد بعدم التقوّل ، وإلا لفعل به الأفاعيل؟!
وقوله تعالى : (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ) [٣]هو الآخر يبرز نفس هذه الدلالة ، فلولا امكانية عدم الفعل ، لما قيل له افعل ، ولولا قدرته الارادية على التخلي عن التبليغ وكتمانه لما أنذر الانذار الذي حملته الآية الشريفة.
[١] الزمر : ٣٩.
[٢] الحاقة : ٤٤ ـ ٤٦.
[٣] المائدة : ٦٧.