عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٨٦ - عصمة الأمانة
عصمة الأمانة
في الآية الكريمة يقول تبارك وتعالى : (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً) [١] عرضت الأمانة الإلهية التي يمثل حملها أحد الأهداف البارزة في مهمة الهداية اربانية عرض الاستعداد التكويني على المخلوقات ، وحملها الإنسان المتخلّي عن الظلم والجهل ، [٢] ويفترض ان هذا الحمل كان حملاً يتناسب مع طبيعة المؤهلات الذاتية لحاملها ، وقد التصقت هذه المؤهلات بصفتي العدالة والظلم التصاقاً ذاتياً ، فإوجدت بينهما نسبة طردية ، فبمقدار ما ينأى الإنسان عن الظلم والجهل يكون أكثر أهلية لحمل هذه الأمانة وأداء المسؤوليات المترتبة عليها ، وبمقدار ما يتخلى عن العدالة والعلم يكون عاجزاً عن حمل ذلك ، وعليه : فهذا العرض لازمه وجود المؤهل الذاتي لدى الإنسان على الحمل ، وهذا الحمل لازمه أنه لا بد من وجود جهة خاصة قادرة على النوء بمسؤوليات هذه الأمانة لأن الله سبحانه وتعالى لن يضع أمانته بيد كل من هبّ ودبّ ، إذ لا يمكن مع ذلك تحقق مقتضيات الحكمة من هذا الحمل. [٣]
وحين يكون هذا الحمل قد تمّ في صورته الكاملة ، لأنه لا يعقل أن يعرض الله عرضاً لا وجود لمتحمّله ، لأنه سيكون عندئذ عرضاً اعتباطياً ، وحاشى لله من ذلك لإخلاله الواضح في حكمته وعلمه ، فلا بد وأن يكون
[١] الأحزاب : ٧٢.
[٢] بعض السذّج قد يفهم ان حمل الأمانة كان من قبل الإنسان الظلوم الجهول ، والحال ان الله سبحانه وتعالى لا يثيب على الظلم والجهل ، ولكن هذا الإنسان قد يتخلى عن حمل الأمانة فيكون ظلوماً جهولاً.
[٣] الولاية التكوينية الحق الطبيعي للمعصوم عليهالسلام : ١٦٥ ، جلال الدين علي الصغير ؛ دار الأعراف للدراسات ـ بيروت ١٩٩٨ ط ٢.