عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٢٩٦ - خصائص النص القرآني
برسول الله! وبعد أن تحدّث القرآن كثيراً عن شخصيته بأبي وأمي العازفة عن الدنيا ، وشدة رغبته في ما أعده الله له في الآخرة ، مما لا يدع أي مجال للشك بأن الموت كان لديه بأبي وأمي حدثاً لا خشية منه ، وإنما بخاف منه من لا ثقة له بعمله ولا برحمة ربه ، وأين ذلك من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم؟ بل لربما تكون رغبته في القتل أكبر من رغبته في الموت طريحاً على الفراش ، وهكذا الأمر في قصة الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مع ابن أم مكتوم في الآيات الكريمة في بداية سورة عبس ، فقد اتهمت روايات العامة ، [١] ومن تابعهم عليها متلجلجاً من مفسري الشيعة الرسول الكريم صلىاللهعليهوآلهوسلم بأنه هو من عبس وتولّى بوجهه عن ابن أم مكتوم أثناء مجيئه وبجنبه بعض رجالات قريش ، فيما نرى القرآن الكريم الذي أطلق الكلام دون تشخيصه لهوية هذا الذي عبس وتولى ، يحدد في مواضع أخرى انصراف هذه الآية بعيداً عن شخصية الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، مرة بحديثه عن شؤون هي من صلب وظائف الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بحيث انه لو تركها يكون مخالفاً لنبوته كمسألة التزكية والإنذار وما إلى ذلك ، وثانية بوصفه للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بصفة صاحب الخلق العظيم والعبوس حالة منافية لذلك ، [٢] وأخرى بحديث الله مع الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بشأن مجالسة الفقراء كما في قوله عزّ وجلّ : (وَلاَ تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ) [٣] مما يعطينا فهماً صريحاً في توجيه العبوس إلى مجالسي الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم لا إليه بأبي وأمي كما عمدت إليه تفاسير العامة ، [٤] وهكذا بقية الآيات المماثلة.
٣ ـ وهناك صنف آخر من الآيات تحدّث عن فعل معين من أفعال الأنبياء عليهمالسلام وغيرهم بصورة موجزة من دون أن يدخل في تفاصيلة ، وهو
[١] سنعود إلى الحديث عنها بشيء من التفصيل.
[٢] القلم : ٤.
[٣] الأنعام : ٥٢.
[٤] وسنعود لتفصيل الحديث في موضع آخر إن شاء الله تعالى.