عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٤٦ - تمهيد في طبيعة العلاقة بين الرسالة واللذات
بمعزل عن هذا النص محض ظنون لا تقوم على دليل موضوعي ، ولو ساءلنا القرآن الكريم عن حقيقة هذه المزاعم ، فسنجد أن القرآن يعالج الأمر على أكثر من صعيد ، فمرة تجده وهو يتحدّث عن أن شخصية المعصوم الذاتية هي معادل تام لشخصيته الرسالية كما نلحظ ذلك في قوله تعالى : (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ) [١] ولا يوجد في متون الآية الكريمة ولا غيرها من الآيات ما يخرج شيئاً من هذا الحصر الذي تدلّنا عليه أداة (إلَّا) ، بالشكل الذي يبقي شخصية الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم متمحّضة في الرسالة ليس إلا.
وأخرى ستجده يقدّم الرسالة بصورتها الكاملة والتامة وهي معنية كل العناية بالوصول بمراميها وغاياتها إلى الأعماق الغائرة للذات الإنسانية ، بل إنه يطرح المتطلّب البشري للكمال وهو يستهدف الوصول بهذه الرسالة إلى أعماق هذه الذات ، ففي قوله سبحانه وتعالى : (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) [٢] فالطموح البشري المعبّر عنه في هذه الآية الكريمة لا يتوقف عند حد التعرّف على أحكام الحلال والحرام ومسائل الاعتقادات وسائر الأمور الفكرية التي ينطوي عليها اسم الكتاب ، والذي يظهر في قوله سبحانه وتعالى : (رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) فحسب بل نرى أن متطلّب الحكمة وتزكية النفس هو أمر أوسع من أن يتوقف عند تلك الأحكام ، فلو تأمّلناه بدقة لوجدناه يصلح للتفاعل مع كل مساحة الذات بكل ما حوت وضمت.
ولهذا كان بعث الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بعنوانه تالياً لآيات الكتاب ومعلماً له وللحكمة ومزكّياً للنفوس ، مورداً جدياً من موارد المنّة الإلهية على البشرية وفق ما عبّرت عنه الآية الكريمة : (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ
[١] آل عمران : ١٤٤.
[٢] البقرة : ١٢٩.