عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٣٠٢ - ١ ـ عصيان آدم
رَبَّهُ فَغَوَى * ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى) [١] ويرى أصحاب الشبهة ان سياقها الظاهر هو وقوع العصيان من جهة آدم عليهالسلام خاصة وان هذه المعصية قد قرنت بفعل «غوى» مما يؤكد أن المعصية المتحدث عنها قبيحة ، وهي بالتالي قادحة بعصمته عليهالسلام!!
أما الجواب عن ذلك فيتضح فيما لو دققنا في أسباب الطلب الإلهي من آدم عليهالسلام في أن لا يأكل من الشجرة ، إذ عرّفتها الآيات الشريفة بالتالي : فالأكل من الشجرة يؤدي إلى الخروج من الجنة ، مما يستدعي أن تنقضي نعمة الله تعالى عليه وعلى زوجه بأن لا يجوعا ولا يعريا ولا يظمأ ولا يضحيا ، وهذه الأمور بطبيعتها مادية بحتة ناظرة إلى ابقاء آدم في الجنة التي كان فيها كي لا يشقى ، وهي جنة من جنان الدنيا [٢] وليست من جنان الخلد في الآخرة ، لوضوح أن الداخل لجنان الخلد لا يخرج منها ، ولوضوح أن جنة الآخرة تتكشف الحقائق فيها بشكل عياني ، ولوضوح أن ابليس لا يدخل إلى تلك الجنة ، [٣] وهو أمر لو كان لما تمكن إبليس من ان يدلّس على آدم شأن الشجرة ، ولو أضفنا إلى ذلك كله أن هدف إبليس المعلن في الآيات الكريمة هو اخراج آدم وزوجه من الجنة ليزيد من شقائهما ، ومن غير العسير معرفة أن إبليس كان فاقداً للأمل في شأن معصيتهما لربهما في مجال ما يسمّى بالأوامر المولوية الملزمة للعبد في طاعة مولاه ، ولخصيصة كرهه
[١] طه : ١١٦ ـ ١٢٢.
[٢] أي ان فيها كل مستلزمات العيش الرغيد مما لا يحتاج معه إلى شيء بحسب مفاهيمنا الأرضية.
[٣] الهبوط الذي تتحدث عنه الآيات من جنته إما ان يكون هبوطاً معنوياً ، أو يكون مادياً فهو عندئذ يشير إلى نقطة ارتفاع ما ، سواء كانت في السماء أو في نقطة معينة من الأرض ، وفي الحال المادي فلا ريب أن الجنة المتحدث عنها ليست بجنة الخلد ، خاصة وأنه عليهالسلام كان يبحث عن الخلد ، وهو البحث الذي أفقده ما كان حظي به في جنته.