عصمة المعصوم عليه السلام وفق المعطيات القرآنية - الصغير، جلال الدين علي - الصفحة ٥٤ - كيف تتشكل العصمة؟
وتقليص مساحتها لصالح دائرة الانضباط التشريعي ، فالأكل كما هو واضح من المباحات ، ولكن اقترانه مع نية التقرب إلى الله سبحانه وتعالى يحوّله ضمن هذا العنوان إلى مستحب ، وهكذا.
ولو تأملنا النص القرآني فإننا نجده قد حدد الجهل العقلي بمثابة العنصر الأساس الذي يتسبب في مضادة هذا العقل ودفع الإنسان إلى العمل في مسار معاكس للمسار العقلي ، بحيث قد يؤدي به إلى أن يتحول إلى مسخ على شكل بشر ، وهذا ما تبيّنه مجموعة من الآيات الكريمة كقوله تعالى : (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاءً وَنِدَاءً صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ) [١] ، وكذا قوله تعالى : (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُون) [٢] ، وكذا قوله : (أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلاَّ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلاً) [٣].
وهذا الجهل ليس جهلاً بالمعنى المتداول في أيدي الناس ، وإنما هو الجهل الذي يسيطر على القلوب والأسماع والأبصار ، وهذه القلوب والأسماع والأبصار ليست هي مجموعة الأجهزة والحواس المنظورة ، بل إن حديث القرآن عنها يشير بدلالة أكيدة إلى وجود ما يناظر هذه الأجهزة ، ولكن بمواصفات مختلفة ، وإلا لما وصفهم بعدم الابصار والأسماع ، ولما تحدّث عن القلوب المقفلة (أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا) [٤] ، ونفس الأمر تجده في حديثه عن البصر الحديد : (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) [٥] ، وهذا ما يجعلنا نؤكد أن ثمة أنظمة داخل النفس الإنسانية تختلف عن نظيرتها في
[١] البقرة : ١٧١.
[٢] الأنفال : ٢٢.
[٣] الفرقان : ٤٤.
[٤] محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم : ٢٤.
[٥] ق : ٢٢.