زاد المعاد - العلامة المجلسي - الصفحة ٢٢٨
يَتَامَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَوْلَادِ الْمُهَاجِرِينَ، اسْتُشْهِدَ أَبِي فِي يَوْمِ الْعَقَبَةِ، أَطْعِمُونِي أَطْعَمَكُمُ اللَّهُ مِنْ طَعَامِ الْجَنَّةِ، فَأَعْطَاهُ الْإِمَامُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ رَغِيفَهُ، أَوَّلًا، ثُمَّ تَبِعَتْهُ فَاطِمَةُ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَ أَعْقَبَهُمَا الْحَسَنُ وَ الْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ وَ بَعْدَهُمْ فِضَّةُ السَّعِيدَةُ، فَقَدَّمُوا بِأَجْمَعِهِمْ أَقْرَاصَهُمْ إِلَى ذَلِكَ الْيَتِيمِ وَ بَاتُوا لَيْلَتَهُمُ الثَّانِيَةَ لَمْ يُفْطِرُوا إِلَّا عَلَى الْمَاءِ الْقَرَاحِ، وَ صَامُوا الْيَوْمَ الثَّالِثَ مِنْ نَذْرِهِمْ، وَ قَامَتِ السَّيِّدَةُ الزَّهْرَاءُ عَلَيْهَا السَّلَامُ كَذَلِكَ بِغَزْلِ الثُّلُثِ الْأَخِيرِ مِنَ الصُّوفِ لِتَأْخُذَ مَا تَبَقَّى مِنَ الشَّعِيرِ تَصْنَعُ بِهِ أَرْغِفَةً بَعْدَ أَنْ تَطْحَنَهَا، لِيُفْطِرُوا بِهَا فِي اللَّيْلِ. وَ عَادَ الْإِمَامُ عَلِيٌّ مِنَ الصَّلَاةِ، وَ أَحْضَرَتْ فَاطِمَةُ أَقْرَاصَ الشَّعِيرِ لِيُفْطِرُوا بِهَا، إِذْ سَمِعُوا صَوْتاً عَلَى الْبَابِ يَقُولُ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ يَا أَهْلَ بَيْتِ مُحَمَّدٍ، تَأْسِرُونَنَا وَ تُوثِقُونَنَا وَ لَا تُطْعِمُونَنَا؟ وَ تَصَدَّقَ آلُ الْبَيْتِ بِكُلِّ الْأَقْرَاصِ كَمَا فِي اللَّيَالِي السَّابِقَةِ وَ أَفْطَرُوا بِالْمَاءِ أَيْضاً؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِمْ سُورَةَ هَلْ أَتى أَشَارَ فِيهَا إِلَى هَذِهِ الْقِصَّةَ عِنْدَمَا قَالَ عَزَّ مِنْ قَائِلٍ: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَ يَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً وَ يُطْعِمُونَ الطَّعامَ عَلى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَ يَتِيماً وَ أَسِيراً إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَ لا شُكُوراً إِنَّا نَخافُ مِنْ رَبِّنا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً ... وَ عِنْدَمَا نَزَلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي الْيَوْمِ الرَّابِعِ أَيْ فِي الْخَامِسِ وَ الْعِشْرِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ، أَقْبَلَ الرَّسُولُ الْأَكْرَمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ إِلَى دَارِ فَاطِمَةَ فَرَآهُمْ فِي جُوعٍ شَدِيدٍ وَ حَالَةٍ غَرِيبَةٍ، فَبَكَى وَ قَالَ: مَا هَذِهِ الْحَالُ الَّتِي أَرَاكُمْ عَلَيْهَا؟ وَ رَأَى الْحَسَنَ وَ الْحُسَيْنَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ اللَّذَيْنِ خَرَجَا لِتَوِّهِمَا مِنَ الْمَرَضِ وَ هُمَا فِي دَوْرِ النَّقَاهَةِ وَ الْجُوعِ الشَّدِيدِ يَرْجُفَانِ كَالْفِرَاخِ الَّتِي خَرَجَتْ تَوّاً مِنَ الْبَيْضِ، وَ رَأَى فَاطِمَةَ عَلَيْهَا السَّلَامُ وَاقِفَةً فِي مِحْرَابِهَا تَعْبُدُ اللَّهَ وَ قَدِ الْتَصَقَ بَطْنُهَا الشَّرِيفُ بِظَهْرِهَا مِنْ شِدَّةِ الْجُوعِ، وَ قَدْ غَارَتْ عَيْنَاهَا مِنَ الضَّعْفِ، وَ لَمَّا فَرَغَتْ مِنْ صَلَاتِهَا، أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا طَبَقاً مِنَ الْجَنَّةِ فِيهِ إِنَاءٌ فِيهِ لَحْمٌ وَ ثَرِيدٌ سَاخِنٌ رِيحُهُ أَحْلَى مِنَ الْمِسْكِ، فَوَضَعَتْهُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ، فَقَالَ لَهَا: يَا فَاطِمَةُ أَنَّى لَكِ هَذَا؟ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ.
فَقَالَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ وَ سَلَّمَ: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيَا حَتَّى أَرَانِي فِي أَهْلِ بَيْتِي شَبِيهاً لِمَرْيَمَ أُمِّ عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ، ثُمَّ تَنَاوَلَ مِنْ ذَلِكَ الطَّعَامِ وَ ظَلُّوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ لِمُدَّةِ سَبْعَةِ أَيَّامٍ وَ لَا يَنْفَدُ. وَ قَالَ الْإِمَامُ الصَّادِقُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إِنَّ ذَلِكَ الْإِنَاءَ عِنْدَنَا، وَ سَيُظْهِرُهُ