قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) - الحسّون، محمد - الصفحة ١٥١
النقطة السابقة، بل وجّه اشكالا آخر لها حيث وصفها بالهمجيّة قائلا:
"ولو قطعنا النظر عن هذه الجهة ـ موت جماعة منهم في كلّ سنة لكثرة نزف الدم ـ فهو فعل همجيّ وحشي... بل هي بنظر أرباب العقول والعرفة أفعال وحشيّة ما فيها من ثمرة في التعزية"[١] .
وفي هذا الكلام نظر; إذ كونه فعلا همجيّاً وخالياً عن أي فائدة بنظر البعض، لا يمكن جعله حجّة تامّة لتحريمه، فعدم اطّلاع المجتمع الغربي على الأسباب والدواعي التي تودّي ببعض المؤمنين بالقيام بهذا العمل والنتائج التي تترتّب عليه، هي التي جعلتهم يصفونه بالهمجيّة.
وإذا أمكن الطعن به لعدم ترتّب آثار إيجابيّة عليه، فيمكن الطعن ببعض العبادات التي لايعرف الغربيّون أسبابها ودواعيها ويرونها خالية عن أي فائدة، كأفعال فريضة الحجّ التي يؤدّيها الكثير من المسلمين في كلّ عام، فما الحجّ في نظرهم إلاّ طواف حول بنية، وسعي وهرولة بين رابيتين، ووقوف على جبل، وهبوط في وادي، وتوفير الشعر، وعري البدن إلاّ عن نحو إزار ورداء.
ولا شكّ أنّ غير العارف برموز هذه الأفعال وحكمها وأسرارها يستهزىء بها ويعدّها ضرباً من الجنون والتوحّش، وفعلا من أفعال الهمجيّة. وقد وقع الإشكال على أفعال الحجّ والاستهزاء به في زمن الإمام الصادق (عليه السلام) وغيره من الأئمة (عليهم السلام) من قبل بعض الزنادقة، كعبد الكريم ابن أبي العوجاء، وعبد الله الديصاني وغيرهما.
فهل يصحّ للمسلمين العارفين بأهداف الحجّ وآثاره الإيجابيّة الكثيرة المترتّبة عليه أن يمنعوه بمجرّد عدّه عند البعض همجيّاً؟!
[١]ـ حكاه عنه في رسالة نصرة المظلوم:٣٢.