قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) - الحسّون، محمد - الصفحة ١٠٣
فقال كبيرهم: ما ترون؟
قالوا: الرأي أن نجتهد أوّلا في دفن أهل بيته، ثم نرى رأينا فيه.
فقال كبيرهم: كيف يكون لكم دفنهم وما فيكم مَن يعرف مَن هذا ومَن هذا، وهم كما ترون جثث بلا رؤوس قد غيّرتهم الشمس والتراب من الرّيح، فلربّما نسأل عنهم فما الجواب.
فبينما هم في الكلام إذ طلع عليهم أعرابيّ على متن جواده، فلمّا رأوه انكشفوا عن تلك الجثث الزّواكي.
قال: فأقبل الأعرابي ونزل عن ظهر جواده إلى الأرض، وصار منحنياً كهيئة الراكع حتّى أتى ورمى بنفسه على جسد الحسين (عليه السلام) وجعل يقبّله تارة ويشمّه اُخرى، وقد بلّ لثامه من دموع عينيه، ثمّ رفع رأسه ونظر إلينا فقال: "ما كان وقوفكم حول هذه الجثث؟" فقالوا: أتينا لنتفرج عليها.
فقال (عليه السلام): "ما كان هذا قصدكم".
فقالوا: نعم يا أخ العرب الآن نطلعك على ما في ضمائرنا، أتينا لندفن جسد الحسين (عليه السلام) فلم نقدر أن نحرّك عضواً من أعضائه، ثم اجتهدنا في دفن أهل بيته وما فينا مَن يعرف مَن هذا ومَن هذا، وهم كما ترى جثث بلا رؤوس قد غيّرتهم الشّمس والتراب، فبينما نحن في الكلام إذ طلعت علينا، فخشينا أنّك من أصحاب ابن زياد لعنه الله فانكشفنا عن تلك الجثث.
قال: فقام فخطَّ لنا خطّاً وقال: "احفروا ههُنا"، ففعلنا فيها، فقال: "قدموا هذا وأخّروا هذا"، فوضعنا سبعة عشر جثّة بلا رأس. ثم خطّ لنا خطّاً فقال: "احفروا ههُنا"،