قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) - الحسّون، محمد - الصفحة ٩٦
حيث قال ما ترجمته:
"روى الذاكرون عن حبيب بن عمرو أنّه تشرّف بعيادة أمير المؤمنين (عليه السلام) بعد ما جرحه اللعين عبد الرحمن بن ملجم على اُمّ رأسه الشريف، والأشراف ورؤساء القبائل وشرطة الخميس حضور، وما منهم أحد إلاّ ودمع عينيه يترقرق على سوادها; حزناً على أمير المؤمنين (عليه السلام).
يقول: ورأيت أولاده مطرقين برؤوسهم، وما تنفّسَ منهم متنفّس إلاّ وظننتُ أنّ شظايا قلبه تخرج من أنفاسه، فجمعوا الأطباء، وأمر أثير بن عمرو منهم برئة شاة ونفخ فيها وأدخلها في جرحه وأخرجها، فإذا هي ملطّخه بمخ رأسه، فسأله الحاضرون عن ذلك فخرس وتلجلج[١] لسانه، وفهموا منه ذلك فيئسوا من حياته وأطرقوا برؤوسهم يبكون عليه من غير صوت; حذراً من اطّلاع الحرم عليه، إلاّ الأصبغ بن نباته فإنّه لم يطق دون أن شرق بعبرته[٢] عالياً، ففتح عينيه (عليه السلام) وتكلّم بكلمات.
يقول حبيب: قلت: يا أبا الحسن لا يهولنّك ما ترى، وأنّ جرحك غير ضائر، فإنّ البرد لا يزلزل الجبل الأصم، ولفحة الهجير لا تجفّف البحر الخضم، والصلّ يقوى إذا ارتعش، والليث يضرى إذا خُدش.
يقول: فأجابني (عليه السلام)، وسمعته أمّ كلثوم وبكت، فدعاها للحضور عنده فدخلت ـ ويظهر من هذا النقل أنّها حضرت والجماعة حضور ـ فقالت: أنت شمس الطالبيين وقمر الهاشميين، وساس كثيبها المترصد وأرقم أجمتها المتفقد، عزّنا إذا شاهت
[١]ـ التلجلج: التردّد في الكلام. الصحاح ١:٣٣٧ "لجج".
[٢]ـ شرق بعبرته: أي غصّ بها. انظر الصحاح ٤:١٥٠١ "شرق".