قراءة في رسالة التنزيه (للسيد محسن الأمين) - الحسّون، محمد - الصفحة ١٤٩
"لا ريب في أنّ دعوى موت جماعة في كلّ سنة; لكثرة نزف الدم، فريّة بلا مريّة، فإنّي منذ أدركتُ لليوم ما رأيتُ ولا سمعتُ أنّ واحداً مات بذلك في أيّ بلدة فضلا عن "جماعة في كلّ سنة"، ولقد سألتُ كثيراً ممّن جاوز السبعين والثمانين من سنيّ عمره من ثقات أهل النجف وكربلاء والكاظميّة وغيرهم من علماء البلدان وصلحائهم، وكلٌ أنكر أن يكون رأى أو سمع أن واحداً من اُولئك تألّم ألملا يوجب مراجعة الجرّاح أو المضمّد، فضلا عن موته.
فعسى أن يكون ذلك طيفاً سوّلته له الأحلام، أو خيالا جسّمته له الأوهام، أو حقيقة واقعة في الجيل الواحد مرّة واحدة اتّفاقاً.
كيف لا، وأغلب أفراد موكب السيوف يجرحهم كبراؤهم بسكّين دقيقة جروحاً خفيفة، يظهر منها الدم بواسطة الضرب على الرأس لا بالجرح بمجرّده، من دون أن يحصل لهم إيلام مزعج; لانّ غرضهم صوري، وهو البروز بصورة القتيل والجريح، وليس من أغراضهم الإيلام الحقيقي لأنفسهم.
ومع الغض عن هذه الحقيقة الواقعيّة لو تنزّلنا وقلنا: إنّ الجرح يكون بالسيف للإيلام لا غيره، فلا شكّ أنّ ذلك يوجب التحريم إذا كان مقدّمة لإيجاد الموت، نحو أن يضرب رأسه ليقتل نفسه.
وأمّا الضرب لا لذلك، بل لأمر آخر قد يترتّب عليه في بعض الأحيان لبعض الأفراد الموت من دون أن يكون مقصوداً بالأصالة أو بالتبع ولا لازماً عاديّاً لضرب نفسه، فإنّ قواعد الفنّ لا تقتضي تحريمه البتّه، ومجرّد الإيلام وإخراج مقدار من الدم لايضرّ بالصحة لا دليل على حرمته"[١] .
[١]ـ نصرة المظلوم: ٣٢ ـ ٣٣.